جيل زيد.. ثورة الكرامة في وجه حكومة تتقن الجباية وتفشل في الرعاية

هبة زووم – الرباط
لم يكن يومي 27 و28 شتنبر 2025 يومين عاديين في مسار المغرب الحديث، فقد انبثق من شوارع الدار البيضاء والرباط وفاس ومراكش صوت جماعي جديد، صوت لم يأتِ محمّلًا برايات حزبية أو شعارات أيديولوجية، بل خرج بلغة بسيطة وموحّدة: “نريد تعليما وصحة يليقان بكرامتنا”.
إنه صوت جيل زيد؛ جيل لم يعرف زمن الرصاص ولم يرث صراعات اليمين واليسار، لكنه اصطدم مباشرة بجدار سميك من الإحباط وخيبة الأمل.
لم تكن احتجاجات شتنبر مجرّد غضب اجتماعي على ارتفاع الأسعار، بل كانت ثورة على منطق حكومة بدت بارعة في فرض الضرائب وجمع الجبايات، لكنها عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الرعاية.
هي مواجهة مفتوحة مع مستشفى عمومي تحوّل إلى رمز للانتظار والمهانة، ومع مدرسة عمومية أُفرغت من دورها التاريخي في صناعة الحراك الاجتماعي، ومع سوق عمل تحوّل إلى حلبة مغلقة لا يفتح أبوابه إلا عبر الزبونية والمحسوبية.
جيل زيد جيل رقمي وواقعي في آن؛ يلتقط التناقضات بذكاء ويكشف الأقنعة، لا تنطلي عليه أسطوانة الحكومة حول “الظرفية الدولية” و”تقلبات الأسواق العالمية”، لأنه يرى بوضوح كيف تُهدر الملايين في مهرجانات صاخبة ومشاريع شكلية، بينما تظل الأسرة المغربية تصارع من أجل كلفة التعليم والعلاج والعيش الكريم.
الانفجار الاجتماعي الذي قاده الشباب هو نتيجة تراكم أعطاب بنيوية يمكن تلخيصها في خدمات عمومية مدمَّرة، فالصحة والتعليم تحولا إلى عبء مهمل بدل أن يُعاملا كاستثمار استراتيجي في رأس المال البشري، والمستشفى اليوم تحول إلى صورة للمعاناة، والمدرسة العمومية فقدت دورها كمصعد اجتماعي.
طلاق السياسة عن المواطن، حيث انحرفت السياسة إلى مجرد لعبة انتخابية وصراعات فارغة، بينما تُركت أسئلة المواطن الحقيقية معلقة: من يحمي المريض؟ من يوقف نزيف الأسعار؟ من يمنح الأمل للخريجين؟
أما الاقتصاد فقد أصبح بلا عدالة اجتماعية، حيث تركزت الثروة في يد قلة، فيما تتسع هوة الفقر والهشاشة، والحكومة تبدو منشغلة بحماية مصالح اللوبيات أكثر من حماية القدرة الشرائية للمواطنين.
جيل زيد اليوم لا يثق في الأحزاب، ولا يقتنع بالوعود الانتخابية، ولا ينتظر خلاصًا من تعديلات حكومية شكلية، إنه يدرك أن المعضلة أعمق من الأشخاص؛ إنها أزمة منظومة سياسية فقدت كثيرًا من مشروعيتها الأخلاقية والعملية، ومن هنا، فإن الاحتجاجات الأخيرة ليست مجرد حدث عابر، بل إنذار أخير بأن الهوة بين الدولة والمجتمع بلغت مستوى خطيرًا.
الخطر الأكبر لا يكمن في الغضب الشعبي وحده، بل في الاغتراب النفسي لشباب يعيش داخل الوطن وكأنه خارجه، وزراء يتحدثون من مكاتب مكيفة بلغة تقنية باردة، بينما الواقع اليومي يصرخ: أم عاجزة عن شراء دواء لطفلها، شاب جامعي يرى مستقبله يتبخر، مواطن يواجه السوق عاريًا من أي حماية، هذا الانفصام بين خطاب النخبة وحياة الناس هو ما يهدد بنسف ما تبقى من الثقة.
احتجاجات شتنبر 2025 تقول بوضوح: النموذج القائم استنفد صلاحيته. شرعية المؤسسات لم تعد تُستمد من صناديق الاقتراع وحدها، بل من قدرتها على ضمان الكرامة والعدالة. تجاهل هذه الحقيقة ليس مجرد خطأ سياسي، بل مقامرة بمستقبل البلاد.
المطلوب اليوم ليس مجرد تعديل حكومي أو خطاب مهدئ، بل ثورة في العقلية السياسية: ثورة تُعيد الاعتبار للكفاءة والمسؤولية، وتضع الإنسان في قلب السياسات العمومية، فجيل زيد أعلن رسالته: زمن بيع الأوهام انتهى، والمغرب إما أن يصغي لصوت شبابه، أو يغامر بفقدانه إلى الأبد.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد