هبة زووم – إلياس الراشدي
الوطن ليس شعارًا على الجدران ولا نشيدًا يُردد في المناسبات. الوطن هو الدم الذي يجري في العروق، هو الغضب النبيل حين تُنهب الأرض، وهو الصرخة التي ترفض أن تُخنق داخل صدور الصامتين.
لكن بين من يرفعون راية الوطن حبًا فيه، ومن يرفعونها ستارًا لنهب خيراته، يقف المغرب اليوم أمام امتحان جديد للكرامة الوطنية، امتحان عنوانه: “من يملك الأرض.. يملك القرار”.
من الدار البيضاء، خرج صوت جديد من داخل الأوساط الحقوقية والإعلامية، صوت شفيق عبدالحق، الذي لم يتردد في كشف المستور وفضح ما وصفه بـ”تحالف المال والسياسة ضد الوطن”، في إشارة إلى شفيق بنكيران ومن يدور في فلكه من فاعلين اقتصاديين نافذين.
كلمات عبدالحق كانت كالرصاص، حين اتهم بعض الأسماء الوازنة بـ”نهب الأراضي وتبييض الثراء عبر مشاريع ظاهرها استثمار وباطنها استغلال بشع لثقة الدولة والمواطن”.
لقد وضع إصبعه على جرحٍ قديم، جرح أراضي الدولة التي تحوّلت إلى غنائم تُوزّع بالمحاباة والقرابة والمصالح المتبادلة.
وفي خضم هذه الاتهامات المتصاعدة، جاء رد وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت حادًا وصارمًا في نبرته، حين وجه إنذارًا غير مسبوق إلى ناهبي الأراضي، مؤكدًا أن زمن الإفلات من العقاب قد ولى.
لفتيت قالها بوضوح تحت قبة البرلمان: “من سرق مترًا من أرض الدولة أو المشروع العمومي سيُحاسب، وسنعود إلى الماضي لتصحيح ما تم نهبه، ومن لا يُرجع ما اغتصبه طوعًا، فليتحمل عواقب ما سيأتي”.
تصريح الوزير، الذي جاء خلال مناقشة الميزانية الفرعية لوزارة الداخلية برسم سنة 2026، لم يكن عابرًا، بل عكس تحوّلًا واضحًا في لهجة الدولة تجاه ملفات الأراضي السلالية والترابية التي عرفت خلال السنوات الأخيرة تجاوزات مهولة وفضائح مدوية.
وفي ظل هذا الجدل، أعاد عبدالحق النقاش إلى جوهر القضية قائلاً: “الوطنية ليست الطربوش الأحمر ولا الجلباب الموقع على الأوراق، الوطنية ليست كلمات تُقال في القاعات المكيفة، بل هي الصدق في حماية الأرض من النهب، والوقوف في وجه الفساد مهما كان الثمن”.
كلماته لامست جرحًا مجتمعيًا غائرًا، حيث بات المواطن يرى الوطنية تُختزل في خطب رسمية، بينما تُنهب الأراضي وتُباع في صفقات خفية لا يشتمّ فيها سوى رائحة المال والخيبة.
تصريحات لفتيت، التي توعّد فيها ناهبي الأراضي بـ”خزيت”، تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة مع لوبيات العقار، لكنها أيضًا تضع مؤسسات الدولة أمام امتحان التنفيذ.
فالمغاربة سمعوا كثيرًا عن المحاسبة دون أن يروا وجوهًا من “الناهبين” خلف القضبان. واليوم، إن لم تُترجم هذه الوعود إلى أفعال، فإن الغضب الشعبي سيتحول إلى فقدان ثقة في آخر حصون الدولة.
إن معركة الأرض ليست معركة قانون فقط، بل معركة كرامة وطنية بين من يؤمن أن الأرض ملك للأجيال، ومن يراها فرصة للاغتناء بلا حدود.
وما لم تُفتح ملفات الفساد العقاري بشجاعة وشفافية، فستظل الوطنية في نظر الكثيرين مجرد “يافطة” لتزيين الفشل.
تعليقات الزوار