لفتيت يعترف: الجماعات الترابية تعاني خصاصًا حادًا في الأطر فمن المسؤول؟

هبة زووم – الرباط
اعترف وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، أخيرًا، بما ظل واقع الجماعات الترابية يصرخ به منذ سنوات: خصاص مهول في الموارد البشرية، خاصة في الجماعات النائية والمناطق الجبلية، حيث تتحول الإدارة الترابية من رافعة للتنمية إلى عبء ثقيل على المواطنين.
الاعتراف جاء خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، لكنه لم يأتِ محمّلًا بحلول جاهزة بقدر ما كشف عن مأزق بنيوي تعيشه الجماعات، وعن سياسة تدبيرية يبدو أنها فقدت بوصلتها بين التدبير المباشر والتفويض والمناولة.
لفتيت تحدث عن “تراجع مستمر” في عدد موظفي الجماعات، مرجعًا ذلك إلى لجوء هذه المؤسسات إلى المناولة والتدبير المفوض، غير أن هذا التفسير، في نظر متابعين، لا يعفي الوزارة الوصية من مسؤولية تفريغ الجماعات من كفاءاتها وتحويلها إلى مجرد هياكل إدارية تُدبّر عن بُعد.
فبدل أن تكون المناولة خيارًا تكميليًا، تحولت إلى سياسة شبه دائمة، أضعفت الوظيفة العمومية المحلية، وخلقت إدارة هشة، بلا ذاكرة مؤسساتية ولا استقرار مهني، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
التصريح الأكثر إثارة للجدل في مداخلة وزير الداخلية كان قوله إن بعض الأطر “لا توجد في السوق”، من مهندسين وتقنيين، وأن الطلب يفوق العرض.
غير أن هذا الكلام يطرح سؤالًا محرجًا: أين كانت سياسات التكوين، والاستقطاب، والتحفيز الترابي طوال السنوات الماضية؟ وهل يعقل أن تعاني دولة من خصاص في الأطر، في وقت تتخرج فيه سنويًا آلاف الكفاءات، لكنها تفضل الهجرة أو القطاع الخاص بسبب ضعف الجاذبية الوظيفية للجماعات؟
المشكل، وفق فاعلين نقابيين، لا يكمن في غياب الأطر، بل في غياب شروط العمل اللائق، وافتقار الجماعات لنظام تحفيزي عادل، خاصة في العالم القروي، حيث يُطلب من الموظف العمل في ظروف صعبة دون تعويضات حقيقية أو آفاق مهنية واضحة.
الوزير نفسه أقر بأن الأزمة تتفاقم في العالم القروي، حيث تتحول الجماعات إلى إدارات مشلولة، عاجزة عن تدبير أبسط الملفات، من التعمير إلى الحالة المدنية، ومن النظافة إلى الصفقات.
وفي هذا السياق، يصبح المواطن أول ضحية لسياسات التردد والتأجيل، حيث تُبرَّر الأعطاب دائمًا بندرة الموارد، بينما تتراكم الاختلالات دون محاسبة.
تساؤل لفتيت حول الحاجة إلى “تحفيزات إضافية” بدا وكأنه تفكير بصوت مرتفع أكثر من كونه تصورًا حكوميًا واضحًا، فالأزمة، التي تجاوزت مرحلة التشخيص، تحتاج اليوم إلى قرارات جريئة، تعيد الاعتبار للوظيفة العمومية الترابية، وتُنهي منطق التدبير الترقيعي.
إلى أن يتحقق ذلك، ستظل الجماعات الترابية الحلقة الأضعف في مسلسل اللامركزية، وستبقى التنمية المحلية شعارًا أكبر من قدرات إدارات أنهكها الإهمال وسوء التخطيط.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد