طريق الموت الصامت أو حين تتحول بوابة السياحة بدمنات إلى فخ مفتوح على الحوادث

هبة زووم – أزيلال
لم يعد ما يقع على الطريق الجهوية الرابطة بين جماعة سيدي رحال ومدينة دمنات بإقليم أزيلال مجرد حوادث معزولة أو أخطاء سير عابرة، بل أضحى مؤشرًا مقلقًا على فشل مقاربة السلامة الطرقية في محور حيوي يفترض أن يكون واجهة سياحية لا مصيدة حديدية.
فالحادث الخطير الذي سُجل صباح يوم أمس على مشارف قنطرة واد تساوت، وأسفر عن تكسير مركبتين سياحيتين – إحداهما سيارة “مرسيدس سبرانتر” مخصصة للنقل السياحي، والأخرى حافلة تقل ركابًا – ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الإنذارات التي لم تجد من يصغي إليها.
الواقعة، التي حدثت حوالي الساعة الحادية عشرة صباحًا، أعادت إلى الواجهة سؤالًا محرجًا: كم حادثًا آخر يجب أن يقع حتى تتحرك الجهات المسؤولة؟ وكم مركبة يجب أن تتحطم، وكم سائح يجب أن يُعرّض للخطر، قبل أن يُعترف بأن هذا المقطع الطرقي لم يعد صالحًا لوضعه الحالي؟
هذا المحور الطرقي لا يُعد مجرد طريق محلية عادية، بل هو منفذ استراتيجي نحو مناطق جبلية وسياحية ذات جاذبية متنامية، تستقطب أفواجًا من الزوار، خصوصًا خلال مواسم الاصطياف والعطل والمناسبات الوطنية، ومع ذلك، فإن المفارقة الصادمة تكمن في أن الطريق التي تقود إلى الجمال الطبيعي، تقود في الوقت نفسه إلى الخطر.
المنعرجات الحادة، غياب التشوير الكافي، ضيق المقطع الطرقي في بعض النقاط، ضعف الإنارة، وغياب حواجز وقائية فعالة، كلها عناصر تجعل من هذا المسلك قنبلة موقوتة، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمركبات النقل السياحي الثقيلة، التي تتحرك وفق جداول زمنية ضاغطة، وفي ظروف أحيانًا لا ترحم.
لا أحد يُنكر المجهودات التي تبذلها عناصر الدرك الملكي المرابطة بالمنطقة، سواء من حيث المراقبة أو التدخل السريع بعد وقوع الحوادث، غير أن الأمن الطرقي لا يمكن اختزاله في الحضور الأمني فقط، حين تكون البنية التحتية نفسها عاجزة عن حماية مستعملي الطريق.
فالدرك يتعامل مع النتائج، لا مع الأسباب، أما الأسباب الحقيقية، فتظل معلقة في مكاتب التخطيط، بين تقارير لا تُفعل، وبرامج إصلاح تُرحّل، وميزانيات تُجزأ، إلى أن يقع المحظور، ثم يُطوى الملف في انتظار حادث جديد.
مهنيون في قطاع السياحة لم يُخفوا قلقهم المتزايد من تكرار هذه الحوادث، معتبرين أن استمرار الوضع على ما هو عليه يضرب في العمق صورة الإقليم كوجهة آمنة، ويضعهم في مواجهة مباشرة مع الزبائن، الذين لا يسألون عن الجمال فقط، بل عن السلامة قبل كل شيء.
فكيف يمكن إقناع سائح أجنبي أو حتى مغربي باختيار وجهة، حين تكون الطريق المؤدية إليها موصوفة بين المهنيين بـ”النقطة السوداء”؟ وكيف يمكن الحديث عن تنمية سياحية مستدامة، بينما البنية الطرقية لا تواكب هذا الطموح؟
هذا، وتزداد حساسية هذا الملف أكثر حين نضعه في سياقه الوطني العام، فالمغرب اليوم يستعد لاحتضان تظاهرات دولية كبرى، ويراهن على السياحة كرافعة اقتصادية واستراتيجية، غير أن الرهان على الصورة الخارجية لا يستقيم مع واقع داخلي مليء بالثغرات، خصوصًا في المناطق الجبلية والطبيعية التي يُفترض أن تكون عنوانًا للأصالة والسكينة، لا للخطر والمجازفة.
مراقبون يرون أن استمرار تجاهل مثل هذه المحاور الطرقية يُظهر فجوة واضحة بين الخطاب التنموي والممارسة الميدانية، ويؤكد أن السلامة الطرقية لا تزال تُدار بمنطق رد الفعل، لا بمنطق الاستباق.
وفي نهاية المطاف، لم تعد السلامة الطرقية مسألة تقنية مرتبطة بعلامة تشوير أو قنطرة إضافية، بل قضية تنموية وأمنية بامتياز، فطريق غير آمنة تعني سياحة مترددة، واستثمارًا خجولًا، وصورة مشوهة، وثقة مهزوزة.
الطريق الجهوية بين سيدي رحال ودمنات لم تعد تحتمل مزيدًا من الصمت الإداري، إنها فقط تحتاج إلى تدخل عاجل، هيكلي، وشجاع، يعيد النظر في تصميمها، تجهيزها، ومراقبتها، قبل أن تتحول من طريق حوادث إلى طريق مآسٍ.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد