إجماع بلا نقاش.. هل فقد المجلس الإقليمي لبركان بوصلته الرقابية؟

هبة زووم – محمد أمين
عقد المجلس الإقليمي لبركان دورته العادية لشهر يناير 2026، في مشهد إداري منضبط شكليًا، وحافل رقميًا، لكنه يفتح في العمق نقاشًا حقيقيًا حول طبيعة الاختيارات التنموية، ومنطق تدبير الشراكات، وحدود النجاعة الفعلية لما يُصادق عليه بالإجماع داخل القاعة، ويظل محل تساؤل خارجها.
الدورة، التي احتضنها المقر الإداري للمجلس بحضور ممثل عامل الإقليم وممثلي عدد من القطاعات والمؤسسات، بدت للوهلة الأولى نموذجًا للتنسيق المؤسساتي، بالنظر إلى كثافة الحضور وتعدد المتدخلين، غير أن هذا “الزخم البروتوكولي” لا يخفي أسئلة جوهرية تتعلق بمضمون جدول الأعمال، وتكرار منطق الاتفاقيات، مقابل غياب تقييم مستقل لأثرها الاجتماعي والاقتصادي.
اتفاقيات بالجملة والتنمية بالتقسيط
ضم جدول أعمال الدورة 16 نقطة، غالبيتها اتفاقيات شراكة مع جماعات ترابية، شركات تنمية جهوية ومحلية، جمعيات، ومؤسسات عمومية. هذا السيل من الاتفاقيات يطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام رؤية تنموية متكاملة، أم أمام تدبير مجزأ للمشاريع بمنطق “الترقيع المؤسساتي”؟
من معالجة حشرة البعوض، إلى فتح المسالك القروية، مرورًا بالمهرجانات، الأسوار الرياضية، اقتناء حافلة لفريق كرة القدم، ودعم استوديو تلفزيوني، تتجاور الأولويات دون أن يوضح المجلس كيف تُرتّب، ولا بأي معايير تُقاس نجاعتها أو مردوديتها على ساكنة الإقليم.
إلغاء مقررات.. هل هو تصحيح أم اعتراف بالفشل؟
اللافت في هذه الدورة هو العدد المهم من إلغاء المقررات السابقة، سواء المتعلقة بدعم المرأة في وضعية هشاشة، أو منشأة فنية على واد ملوية، أو تقوية الشبكة الطرقية.
وهنا يبرز سؤال حرج: هل يتعلق الأمر بتصحيح اختلالات تقنية وقانونية، أم أن المجلس يصادق اليوم على ما كان ينبغي التفكير فيه جيدًا بالأمس؟
فاليوم، يمكن القول على أن إلغاء مقررات تنموية لا ينبغي أن يمر كإجراء إداري عادي، بل يستوجب توضيحًا للرأي العام حول أسباب التعثر، والجهات المسؤولة عنه، والبدائل المقترحة، وهو ما غاب عن البلاغ الرسمي للدورة.
التنمية القروية.. مسالك بلا رؤية؟
خصص المجلس حيزًا مهمًا لفتح المسالك القروية بجماعات تافوغالت، زكزل، فزوان والشويحية، وهي خطوة إيجابية في ظاهرها، لكنها تعيد طرح إشكالية قديمة: هل فتح المسالك يتم ضمن مخطط قروي مندمج (يشمل الماء، الصحة، التعليم، النقل)، أم يظل مجرد أشغال معزولة، تُنجز ثم تُنسى؟
التجارب السابقة في عدد من أقاليم الجهة أظهرت أن المسالك القروية، دون رؤية استدامة وصيانة، تتحول بسرعة إلى عبء جديد بدل أن تكون رافعة تنموية.
الشباب والرياضة.. دعم رمزي أم سياسة عمومية؟
المصادقة على اقتناء حافلة لفريق نهضة بركان، ودعم مشروع استوديو سمعي بصري لفائدة الشباب، تندرج ضمن اختيارات تحظى بشعبية، لكنها تطرح بدورها سؤال العدالة المجالية والاجتماعية.
فهل يتم دعم الشباب كفئة واسعة بسياسات عمومية واضحة، أم عبر مشاريع انتقائية ذات طابع رمزي أكثر منه بنيوي؟
حصيلة 2022–2025: أرقام بلا مساءلة
وفي هذا السياق، قدم المجلس عرضًا حول حصيلته خلال الفترة 2022–2025، إضافة إلى عرض حول بوابة إلكترونية جديدة.
غير أن العروض، رغم أهميتها التواصلية، لم تُرفق بنقاش علني حول: نسب الإنجاز الحقيقية، المشاريع المتعثرة، كلفة التأخير، وأثر السياسات على التشغيل والخدمات الأساسية، وهو ما يحول الحصيلة من أداة للمساءلة إلى مجرد تمرين عرضي.
إجماع مريح.. وديمقراطية بلا احتكاك
انتهت الدورة بالمصادقة بالإجماع على جميع النقاط، وهو إجماع قد يُقرأ كدليل انسجام، لكنه في المقابل يثير التخوف من غياب النقاش الحقيقي، والاختلاف المنتج، والمعارضة البناءة داخل مؤسسة يفترض أنها تمثل تعددية الساكنة لا وحدة التصويت.
وخلاصة القول، أن دورة يناير للمجلس الإقليمي لبركان عكست نشاطًا إداريًا مكثفًا، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن حاجة ملحّة للانتقال من منطق المصادقة إلى منطق التقييم، ومن كثرة الاتفاقيات إلى وضوح الرؤية، ومن الإجماع الشكلي إلى النقاش العمومي المسؤول.
فالتنمية لا تُقاس بعدد الاتفاقيات، بل بمدى قدرتها على تغيير حياة الناس خارج القاعة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد