لفتيت يتحدث عن العصرنة والمواطن يواجه فوضى التدبير المفوض لوقوف السيارات في الشارع
هبة زووم – محمد خطاري
مرة أخرى، يختار وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت لغة التطمين بدل لغة المكاشفة، وهو يتحدث عن “مواكبة الجماعات الترابية” و”عصرنة تدبير مرفق وقوف العربات”، في جواب برلماني يبدو أنيقًا في الصياغة، لكنه يفتقر إلى الجرأة في تشخيص الواقع الذي يعيشه المواطن يوميًا في الشارع المغربي.
الوزير يؤكد أن وزارته تشجع الجماعات على اعتماد عقود التدبير المفوض، وإحداث شركات التنمية المحلية، أو التعاقد مع القطاع الخاص، بهدف تنظيم مرفق وقوف السيارات والرفع من جودة الخدمات.
غير أن السؤال الجوهري الذي يتجاهله هذا الخطاب هو: أين يلمس المواطن أثر هذه “العصرنة”؟ وأين اختفت وعود التنظيم أمام سطوة “حراس الشوارع” غير القانونيين، وفرض الإتاوات بالقوة، وغياب أي أثر فعلي لسلطة الجماعة أو الشرطة الإدارية؟
الحديث عن عقود التدبير المفوض يتكرر منذ سنوات، لكن الواقع يكشف أن هذا الخيار، في كثير من المدن، لم يُنتج سوى تفويض غير معلن للفوضى.
شركات غامضة، عقود غير متاحة للرأي العام، تسعيرات غير مفهومة، وحراس يتحولون إلى سلطة أمر واقع، بينما المواطن هو الحلقة الأضعف، يؤدي دون أن يعرف الأساس القانوني، ويُبتز دون حماية.
أما شركات التنمية المحلية، التي يُفترض أن تكون أداة حديثة للتدبير، فقد تحولت في حالات كثيرة إلى واجهات إدارية لتدوير نفس الممارسات، دون محاسبة حقيقية أو تقييم مستقل للأداء.
لفتيت شدد على أن رؤساء الجماعات يمارسون صلاحيات الشرطة الإدارية في تنظيم السير والجولان والوقوف، لكن هذا التأكيد يصطدم بسؤال بسيط: إذا كانت هذه الصلاحيات قائمة، فلماذا تغيب على أرض الواقع؟ دولماذا تُترك شوارع كاملة رهينة لمجموعات تفرض “قانونها” بالقوة، بينما يكتفي المنتخبون بالصمت، أو بالتفرج، أو بالاحتماء بتبرير “التدبير المفوض”؟
ما يغيب عن جواب وزير الداخلية هو الاعتراف بأن أزمة وقوف العربات ليست تقنية فقط، بل أزمة حكامة ومسؤولية سياسية، فالتحديث لا يقاس بعدد العقود الموقعة، بل بمدى حماية حقوق المواطن، وضمان الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن الحديث عن “الرفع من جودة الخدمات” يصبح بلا معنى، حين يشعر المواطن أن الشارع لم يعد فضاءً عموميًا، بل مجالًا للاستخلاص القسري، دون وصل، ودون قانون واضح، ودون إمكانية للاعتراض.
خطاب وزارة الداخلية حول تنظيم مرفق وقوف العربات يظل، إلى حدود الساعة، خطاب نوايا أكثر منه سياسة عمومية ناجعة، فبين النصوص القانونية والواقع اليومي، تتسع الهوة، ويظل المواطن يدفع ثمن فشل الجماعات، وصمت السلطات، وضبابية التفويض.
وإلى أن تتحول “العصرنة” من بلاغات رسمية إلى ممارسة تحمي كرامة المواطن، سيظل سؤال بسيط يلاحق الجميع: من يحمي حق المواطن في الشارع العمومي؟