هبة زووم – إلياس الراشدي
قد تُرى طنجة من بعيد مدينة مزدهرة، ببحر يلمع ومصانع تتوسع وواجهة حضرية تُسوّق على أنها “نموذج للتنمية”، لكن من يقترب قليلاً يدرك أن الصورة اللامعة مجرد غلاف فاخر يخفي وراءه واقعاً سياسياً ملتبساً، تُكتب فصوله في المكاتب المغلقة لا في جلسات مجلس المدينة.
طنجة لم تكن يوماً مدينة هادئة، هي مدينة لا تستقر على ولاء واحد ولا تتحمل ركوداً سياسياً، فكل حقبة فيها كانت تُدار بمنطق “الغلبة لمن يملك النفوذ، وليس لمن يملك الأصوات”، ومع أن الانتخابات تُجرى بشكل اعتيادي، إلا أن التحكم الحقيقي ظل دائماً خارج قاعة الاجتماعات.
اليوم يقود المجلس الليموري، رئيس منتخب بلا شك، لكنه محاط بهالة من الأسئلة: هل يحكم فعلاً؟ هل يقرر؟ أم أن دوره لا يتجاوز تلاوة ما يُملى عليه من خلف الستار؟
الجواب يعرفه كل من عاش تفاصيل السياسة الطنجاوية: الواجهة تتغير، أما اللاعبون الحقيقيون فلا يتغيرون إلا بأقل مما يُغيّر البعض ربطات عنقهم.
ما يقترب ليس مجرد استحقاق انتخابي، بل معركة لإعادة توزيع السلطة، الأحزاب التقليدية فقدت بريقها، والوجوه التي كانت تملأ المدينة صخباً صارت اليوم ظلالاً باهتة، لكن من يضمن أن القادم أفضل؟ هل ستأتي وجوه جديدة حقيقية؟ أم نفس الوجوه التي تقفز من حزب لآخر كما يقفز لاعب محترف من فريق لآخر بحثاً عن عقد أفضل؟
ورغم كل هذا، يبقى أمل الطنجاويين معلقاً على تلك الأطر النظيفة التي لم تبع نفسها ولم تشتغل سمسارة في الخدمات والمشاريع. تلك الفئة التي نرجو أن تكسر حاجز الخوف، وتتحمل مسؤولية مدينة تتقاسمها منذ سنوات طويلة حسابات ضيقة تفوقت على أي رؤية تنموية.
المدينة جاهزة، لكن هل نحن مستعدون لرجال ونساء يشتغلون من أجل طنجة لا من أجل “جيوبهم” أو “تقاعدهم السياسي”؟
عندما نتحدث عن تسيير الجماعات بالمغرب، نصل بسرعة إلى المفارقة الكبرى: الرئيس يبتسم في الصور والموظف يوقع القرار الحقيقي.
القانون يعطي السلطة للمنتخب، لكن الواقع يعطيها لمن يمتلك مفاتيح الإدارة، شبكة العلاقات، معرفة التفاصيل الصغيرة التي توقف مشروعاً أو تمرره والقدرة على إغراق أي منتخب في بحر البيروقراطية.
الموظف الإداري هو “اللاعب الخفي” الذي لا يراه المواطن، لكنه يقرر بالنيابة عنه، هو من يحدد الأولويات، من يسرّع أو يعرقل، من يجعل الرئيس يبدو بطلاً أو عاجزاً.
المنتخبون يعرفون ذلك جيداً، لكنهم صامتون: إما خوفاً، إما طمعاً، أو لأن السلطة الحقيقية لا تُترك لمن يأتي عبر صناديق الاقتراع، بل لمن يتواجد في الكواليس منذ 20 سنة، والنتيجة؟ مدينة تدار بنظام “التحكم الناعم”.
طنجة اليوم تعيش مفارقة: رئيس منتخب يقود مدينة على الورق وموظفون يقودونها في الواقع.
وفي ظل هذا الوضع، تصبح التنمية رهينة مزاج أشخاص لا يظهرون في الإعلام، ولا يُحاسبون في الانتخابات، ولا يسألون أمام المواطنين،
لكنهم يعرفون جيداً كيف يُمسكون بالخيوط.
إنها الحقيقة المرة: طنجة لا تحتاج فقط إلى تغيير منتخبين، بل إلى ثورة في طريقة إدارة الجماعات، وحتى ذلك الحين ستبقى المدينة جميلة من الخارج، ومعقدة من الداخل، ومقسمة بين سلطة تظهر وسلطة تحكم.
تعليقات الزوار