هبة زووم – الرباط
في تدوينة لافتة تضرب في عمق التناقضات التي يعيشها المغرب، كشف الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي صورة مزدوجة لبلد تتحرك فيه حداثة لامعة على السطح، بينما تغرق جذوره في واقع هشاشة وحرمان لا يراه إلا من يقترب من الأرض ومن الناس.
يكتب اليحياوي بلهجة تجمع بين الألم والسخرية المرة: هناك مغرب براق نراه في الصور الرسمية؛ طرق سريعة تمتد على مد البصر، وقطارات فائقة السرعة، ومشاريع عملاقة في الطاقة المتجددة… وهي مظاهر لا ينكرها أحد. لكن خلف هذه الواجهة، يقف مغرب آخر مظلم، يعيش فيه الملايين على وزن الفقر، ويعبرون مواسم الجفاف والقحط بلا ماء ولا مورد ولا سند.
في هذا المغرب المنسي، كما يصفه، لا يصل الدفء إلى سكان البوادي إلا من السماء، حين يسقيهم الغيث الإلهي، فيما يخرج “السفهاء” – على حد عبارته – ليبشروا الناس بارتفاع منسوب السدود وموسم فلاحي قوي وناتج إجمالي متقدم، دون أن يصل من كل هذا شيء إلى الفلاح البسيط. فالثمار الكبرى – يقول – تذهب دائماً إلى كبار الإقطاعيين، بينما يترك الصغار يتخبطون في الفتات.
ويرسم اليحياوي صورة دقيقة للموسم الفلاحي الجديد في “الغرب المنسي”: فلاحون يكدّون لشراء البذور والأسمدة، بعدما أصبحت الحبوب تُباع كل سنة كما لو كانت “رخصة صيد أو سياقة”، في إشارة إلى إلغاء إمكانية الاحتفاظ بجزء من المحصول لإعادة زرعه كما كان يفعل الآباء والأجداد. وبدل تلك الدورة الطبيعية والزراعية التي كانت تربط الفلاح بأرضه، دفع “الفهماء” – كما يسميهم بسخرية – نحو فرض بذور هجينة مجهولة المصدر، تفرض على الفلاح الدخول في مسلسل سنوي من الشراء والتبعية.
أما الأسمدة، فهي النقطة التي يلتقي فيها المغربان: البراق والمظلم. فأسعارها مرتفعة بشكل لا يطاق، وطرق توزيعها محتكرة من طرف “سماسرة غرباء عن القطاع”، في بلد يُعتبر أول مُنتج للفوسفاط في العالم. ويسأل اليحياوي بمرارة جارحة: “هل رأيتم بلداً يملك أكبر احتياطات الفوسفاط عالمياً، يتسول فلاحوه كيس سماد كما يتسول المتشرد رغيف خبز؟”.
ويختم تدوينته بنبرة تحذير قاسية من تمدد من يسميهم “فراقشية” – تجار الأزمات – الذين نهشوا أسواق اللحوم والمحروقات والأدوية والمصحات الخاصة، قبل أن يزحفوا اليوم على البذور والأسمدة أيضاً: “فراقشي ينطح فراقشي…”، في إشارة إلى تحول الفلاحة، آخر ملاذ للفقراء، إلى ساحة جديدة للربح السريع على حساب قوت الملايين.

تعليقات الزوار