هبة زووم – الرباط
في تفاعل جديد مع واحدة من أكثر القضايا حساسية في المغرب، علّق الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي على معضلة السطو على الأراضي السلالية، بعد اطلاعه على ما نشرته جريدة “الأخبار” في عدد 19 نونبر الجاري، حول ملف ضخم يتعلق بالاستيلاء على 142 ألف هكتار من هذه الأراضي، ومتابعة وزارة الداخلية لعدد من الأشخاص النافذين وإحالة 4448 ملفاً على القضاء.
هذه الأرقام الضخمة دفعت اليحياوي إلى كتابة تدوينة قال إنها لن تمر مرور الكرام، لما تختزنه من دلالات صادمة حول حجم التغلغل البنيوي للفساد في مفاصل متعددة من الدولة.
اليحياوي، المعروف بجرأته وقراءته العميقة للظواهر الاجتماعية والسياسية، لم يتردد في وصف المشهد بـأنه عهد جديد من “الفراقشية”، مصطلح يحمل في الثقافة المغربية حمولة دلالية مرتبطة بمنطق السمسرة، الارتشاء، والاستحواذ على المال بدون وجه حق.
وفي تدوينته، رسم الباحث خريطة رمزية لهذه “الفراقشية”، التي تمتد – بحسب تعبيره – إلى كل القطاعات تقريباً: فراقشية المحروقات، فراقشية المواشي، فراقشية العقار، فراقشية الشواهد الجامعية، فراقشية الأدوية، فراقشية الأراضي السلالية، فراقشية البذور والأسمدة، فراقشية السينما ودور النشر، فراقشية المأذونيات والمقالع وأعالي البحار، فراقشية الانتخابات وحتى فراقشية المجلس الوطني للصحافة.
وهي لائحة يقول إنها ليست سوى عينة من مشهد عام يطغى عليه ما أسماه منطق “التفرقيش” الذي صار، حسب تدوينته، قاعدة لا استثناءً.
“لو لم يكن المرء فراقشياً، ماذا عساه يكون؟” بهذه الجملة القاسية، يلخص اليحياوي حالة الإحباط من هيمنة هذه الظاهرة على مؤسسات متعددة.
وهو يؤكد أن النسق أصبح مُهيمناً إلى درجة أن “التفرقيش” صارت معياراً، لا حالة شاذة، وكأن البلاد تعيش في ظل نموذج من الفساد المتجذر الذي يعيد إنتاج نفسه، مع تغيير الأسماء فقط.
“مافيش فايدة”، هكذا ختم الأستاذ اليحياوي تدوينته، مستحضرا بشكل عميق ما كتبه الروائي عبد الرحمان منيف عن مفهوم “أرض السواد”، في إشارة إلى دورة الأحداث المتشابهة، والبنى العميقة التي تبدو ثابتة رغم تغيّر الوجوه والظروف.
ووفق هذا الاستدعاء الأدبي، فإن الباحث يلمّح إلى أن ما يتغيّر ليس البنية، بل الشخوص فقط، وأننا أمام مشاهد متكررة، بنفس اللغة ونفس الأساليب، لكن بوجوه جديدة.
مرور وزارة الداخلية إلى مرحلة الإحالة على القضاء في آلاف الملفات يفتح الباب على مصراعيه لتساؤلات عديدة: هل نحن أمام تحوّل مؤسساتي حقيقي؟ أم أن الأمر مجرد جولة جديدة في معركة طويلة بين شبكات النفوذ والدولة؟
أسئلة يطرحها التدوين الغاضب لليحياوي، وتفرض نفسها بقوة أمام حجم ما يكشفه الواقع من اختلالات مهولة في تدبير واحد من أكبر أصناف الملك الجماعي بالمغرب.
تعليقات الزوار