الدار البيضاء: هكذا تحولت السياسة إلى مشروع تجاري يبتلع المدينة ويقتات من صمت السلطات؟

هبة زووم – إلياس الراشدي
حين يغرق الحاضر في مستنقع الفساد، يصبح المستقبل مجرد سرابٍ يُباع في خطابات رسمية ويتلاشى في أول مواجهة مع الواقع.
الدار البيضاء، هذه المدينة التي يُفترض أن تكون قاطرة التنمية ومختبر الإصلاح، تجد نفسها اليوم أسيرة مفارقة صادمة: مشاريع كبرى معلقة في الهواء، ووعود انتخابية بلا روح، وطبقة سياسية دخلت المشهد لا عبر بوابة الكفاءة والخدمة العامة، بل من سوق الصفقات والأموال القذرة.
لم يعد الفساد في الدار البيضاء مجرد سلوك فردي هنا أو تجاوز محسوب هناك، بل تحول إلى منظومة كاملة لها قواعدها غير المكتوبة، وشبكاتها المتشابكة، وطرقها الخاصة في اقتسام الغنائم.
في هذه المنظومة، لا فرق بين من ينتمي للقطاع العام أو الخاص؛ فالجميع – صغارًا وكبارًا – يتزاحمون على نفس المائدة. البعض يكتفي بـ”أكل الكتف”، وآخرون لا يتركون حتى “العظم”، فيما يُترك الفتات للمواطنين الذين يستفيقون كل يوم على فضيحة جديدة دون أثر لأي مساءلة حقيقية.
في الكواليس المظلمة للمال والسياسة، تتحرك شبكة مالية متقنة تبتلع موارد المدينة وتُهرّبها إلى حيث تذوب دون أثر: حسابات مصرفية خارجية، شركات وهمية، أبناك دولية تعرف كل شيء وتصمت، وصفقات مغلقة لا يطّلع عليها إلا من يملك مفاتيحها.
مليارات الدراهم التي كان يفترض أن تُضَخ في مشاريع التهيئة، النقل، السكن، والبنى التحتية، تتحول فجأة إلى أرقام سرية في تحويلات عابرة للحدود، بينما تستمر المدينة في الغرق: ازدحام، تلوث، فوضى عمرانية، أحياء مهمشة، وخدمات عمومية دون المستوى.
هذا النزيف المالي لا يختفي في الهواء. هو السبب المباشر وراء التعثر المزمن للمشاريع الكبرى، ووراء الانهيار المتكرر للبنية التحتية عند أول قطرة مطر، ووراء الشعور العام بفقدان الثقة في المؤسسات.
المواطن يرى الواقع: طرق تتآكل، أحياء تغرق، ميزانيات تتبخر، وتبريرات جاهزة لا تقنع أحدًا.
وفي المقابل، يرى نفس الوجوه التي تدير الشأن المحلي تتوسع ثرواتها، وتترسخ نفوذها، وتفتح لها المصارف الدولية الأبواب بكل طواعية.
خطر الفساد في الدار البيضاء لا يُقاس فقط بحجم المال المنهوب، بل بقدرته على خلق اقتصاد موازٍ يتحكم في تدفقات مالية ضخمة، إنه نظام ظل موازٍ للدولة، يعتمد على ثغرات قانونية، ورقابة شكلية، ومؤسسات هشّة، مما يجعل الفاسدين يتحركون بطمأنينة في لعبة المال العالمي.
هذا الواقع لا يهدد فقط مالية المدينة، بل يضرب في العمق مصداقية المؤسسات، ويُعمّق الهوّة بين الدولة والمجتمع، ويجعل كل خطاب رسمي عن الإصلاح والتنمية مجرّد كلام بلا وزن.
الدار البيضاء ليست فقيرة، وليست عاجزة؛ بل تُنهكها شبكة فساد متجذرة تأكل حاضرها وتبيع مستقبلها. ومع غياب المحاسبة، وتوسع دوائر النفوذ المالي والسياسي، فإن ما يُهدَّد اليوم ليس ميزانية مدينة فقط، بل ثقة وطن كامل.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد