هبة زووم – الدار البيضاء
في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل قطاع الصيد البحري خلال الشهور الأخيرة، تفجّر ملف سفينة مستوردة لأعالي البحار بوثائق تخصّ الصيد الساحلي، وهي عملية قامت بها شركة في ملكية مهني وسياسي نافذ في القطاع.
هذا الملف الذي قد يبدو تقنياً في ظاهره، تحول داخل أروقة الإدارة إلى مرآة عاكسة لمعادلة النفوذ مقابل القانون، وكشف عن محاولة غير مسبوقة لفرض “استثناءات” بالقوة داخل قطاع يستمد شرعيته من الانضباط الصارم للمعايير التقنية والتنظيمية.
منذ البداية، وضع صاحب الباخرة الإدارة أمام تعهد واضح: تقليص حمولة السفينة لتتلاءم مع خصائص السفينة الأصلية المُعوّضة. غير أن الواقع أخذ مساراً مختلفاً تماماً، حين أظهرت أول عملية قياس قامت بها اللجنة المحلية المكلفة بالتقنين وجود اختلالات صارخة، وخلُصت إلى عدم مطابقة الباخرة للمعايير الواردة في عقد الجنسية الأصلي، وهو ما جعلها ترفض ـ بكل وضوح ـ منح الضوء الأخضر لاستغلال السفينة. هذا القرار الذي يُفترض أن يكون نهاية المسار، فتح باباً جديداً من المناورات، بعدما طعن صاحب الباخرة في تقرير اللجنة، ليجرّ إدارة الصيد إلى استدعاء لجنة مختلطة تضم عناصر من المصالح المركزية ومندوبيات أخرى، في خطوة استثنائية لم يعرف لها القطاع مثيلاً في ملفات مشابهة تم رفضها دون الكثير من الضجيج.
لكن اللجنة المختلطة نفسها وصلت إلى النتيجة ذاتها: الباخرة غير مطابقة، والوثائق لا تنسجم مع الواقع التقني للسفينة. بدل أن يقبل صاحب السفينة بحكم القانون، اختار الهروب إلى الأمام، وهدّد الإدارة باللجوء إلى القضاء عبر مفوض قضائي، مستنداً إلى مقتضيات “تبسيط المساطر الإدارية”.
تهديدٌ سرعان ما تبيّن أنه بلا سند، بعد أن تحققت الأطراف القانونية التي استشارها من أن موقف الإدارة سليم ولا غبار عليه. ورغم ذلك، حاول المعني بالأمر الالتفاف على الخروقات بإصلاحات سطحية لا تغير شيئًا من جوهر الاختلالات، في محاولة واضحة لثني الإدارة عن تطبيق القانون المنظم لبناء السفن البحرية.
القانون، في صيغته الحالية، لا يترك مجالاً للاجتهاد: أي اختلاف في القياسات، ولو ببضعة سنتيمترات، يعني بطلان الرخصة، واستحالة منح أي ترقيم للسفينة، بل ويتجاوز الأمر إلى اتخاذ إجراءات زجرية ضد المجهزين والمقاولات.
فلسفة هذا القانون ليست تقنية فقط، بل بيئية واقتصادية، هدفها حماية التوازن البحري وضمان توزيع مستدام للثروة السمكية، لأن أي سفينة خارج المقاييس قد تتحول إلى “وحش بحري” قادر على التهام الثروة السمكية بما يتجاوز الحصص القانونية، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً للنظام البحري برمته.
وسط هذا المشهد المليء بالضغوطات والتناقضات، يطرح المهنيون تساؤلات ثقيلة: لماذا تتعامل الإدارة مع هذا الملف بمنطق الاستثناء؟ ولماذا تُستدعى لجنتان كاملتان لإعادة عمليات قياس سبق وأن حُسمت تقنياً؟ ولماذا يُفتح الباب ـ ولو رمزياً ـ أمام مناورات لا تُمنح لغيره من المهنيين؟ عشرات السفن سبق أن تم رفضها بناء على تقارير أقل تفصيلاً، ولم يُعد قياس أي منها، ولم يُفتح لها باب الاستئناف التقني، فماذا يميز هذه السفينة تحديداً؟ وهل فعلاً الأمر مجرد “اختلال تقني”، أم أن هناك نفوذاً وضغطاً وتضارب مصالح، كما يلمّح إليه كثيرون داخل الموانئ؟
هذه الأسئلة ليست هامشية، بل تمسّ جوهر الثقة بين الدولة والمهنيين. فأي تهاون أو تساهل في مثل هذه الملفات يضرب في الصميم مصداقية القوانين البحرية، ويزرع شعوراً بأن النفوذ أقوى من النص، وأن بعض المجهزين يستطيعون ـ ببساطة ـ ليّ ذراع الإدارة.
ومع ذلك، تبقى المفارقة الأكبر هي الصمت المطبق الذي يلوذ به الجهاز السياسي المشرف على القطاع، خصوصاً كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، السيدة زكية الدريوش. فبينما يغلي القطاع بالأسئلة، وتتناقل الموانئ أخبار اللجنة المحلية والمركزية والتهديدات القضائية، لم يصدر عن المسؤولة السياسية الأولى أي توضيح أو موقف أو حتى إحاطة إدارية.
هذا الصمت أصبح في حد ذاته جزءاً من الأزمة، ويفتح الباب أمام المزيد من التأويلات والشكوك داخل المنظومة المهنية. فكيف يمكن لقطاع استراتيجي مثل الصيد البحري، الذي يشكل عصب الاقتصاد في مدن وموانئ بأكملها، أن يظل بلا صوت رسمي يشرح للمهنيين حقيقة ما يجري؟ ولماذا لا تتحرك كاتبة الدولة لتأكيد دعمها للقانون، أو لتوضيح أسباب إعادة القياسات، أو لشرح خلفية هذه المعاملة التي يعتبرها كثيرون غير مسبوقة؟
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، ينتظر المهنيون جواباً واضحاً من زكية الدريوش: هل ستسمح باستمرار “الاستثناءات” التي تضرب القطاع في العمق؟ هل اطلعت فعلاً على تقارير اللجنتين؟ وهل هي راضية عن مسار معالجة هذا الملف؟ وقبل كل شيء: لماذا هذا الصمت غير المفهوم؟
أسئلة ثقيلة تظل معلّقة، وفي قطاع لا يحتمل الرمادية، يصبح الصمت أبلغ من الكلام، ويصبح غياب التوضيح أخطر من وجود الخلل ذاته.
تعليقات الزوار