هبة زووم – الصويرة
لم تعد الصويرة تلك المدينة الهادئة التي كانت تُقدَّم كنموذج في التنظيم الحضري وتوازن الخدمات وجودة العيش، فالمدينة التي راكمت لسنوات صورة إيجابية، داخل المغرب وخارجه، باعتبارها فضاءً منسجمًا بين التاريخ والسياحة والعيش المشترك، تبدو اليوم وكأنها تُترك وحيدة في منتصف الطريق، تتخبط في اختلالات متراكمة طالت مختلف مناحي الحياة اليومية.
فمن يتجول اليوم في شوارع الصويرة، لا يحتاج إلى كثير من التدقيق ليلمس حجم الارتباك الذي أصاب تدبير الشأن المحلي. مشاريع كان يُفترض أن ترى النور منذ سنوات ما تزال عالقة بين الوعود والتأجيل، وأخرى يتم الإعلان عنها في مناسبات رسمية قبل أن تختفي من جدول الأولويات دون أي تفسير للرأي العام.
هذا الجمود لم يعد مجرد تعثر إداري، بل تحول إلى نمط تدبيري يفرغ التخطيط من مضمونه، ويعمق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.
وفي مقابل هذا التعثر، يلاحظ متابعون أن الاهتمام بالمظاهر والأنشطة الظرفية، من مهرجانات وفعاليات موسمية، بات أحيانًا يطغى على الانشغال الحقيقي بمشاكل الساكنة اليومية، من طرق مهترئة، وإنارة عمومية متذبذبة، ونقص في بعض الخدمات الأساسية.
ورغم ما للمجال الثقافي والسياحي من أهمية بالنسبة لمدينة مثل الصويرة، إلا أن تحويله إلى أولوية شبه وحيدة، في ظل هشاشة البنية التحتية، يطرح علامات استفهام حول ترتيب الأولويات وحول الرؤية الشاملة لتدبير المدينة.
ويرى فاعلون محليون أن جزءًا من هذا الاختلال يعود إلى هيمنة الحسابات السياسية الضيقة على القرار المحلي، حيث يتم أحيانًا تغليب منطق التوازنات والتحالفات على منطق الاستجابة الفعلية لحاجيات السكان.
والنتيجة مدينة تنمو ببطء شديد، تفقد جاذبيتها عامًا بعد آخر، وتعيش على وقع إحساس عام بالركود، رغم ما تتوفر عليه من مؤهلات طبيعية وثقافية وسياحية كبيرة.
لكن أكثر ما يؤلم ساكنة الصويرة، ويؤشر بشكل صارخ على عمق الأزمة، هو مشهد النفايات المنتشرة في عدد من الأحياء، سواء داخل المدار الحضري أو بالمناطق المحيطة.
أكياس قمامة متراكمة، نقاط سوداء تتكاثر، روائح كريهة تخنق الأنفاس، ومشهد يومي بات يسيء لصورة المدينة ولسلامة ساكنيها وزوارها على حد سواء.
أزمة النظافة لم تعد تُختزل في خلل تقني عابر أو ظرف استثنائي، بل تحولت إلى عنوان بارز على ضعف المراقبة والتتبع للشركات المفوض لها تدبير قطاع الجمع والمعالجة.
ورغم الشكايات المتكررة والاحتجاجات الصامتة التي يعبر عنها المواطنون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فإن الإحساس السائد هو أن المساءلة غائبة، وأن معايير الجودة المنصوص عليها في دفاتر التحملات لا تجد طريقها إلى التطبيق الفعلي.
وسط هذا المشهد، يشعر كثير من سكان الصويرة بأن أبسط الحقوق، وعلى رأسها الحق في العيش في بيئة نظيفة ومنظمة، أصبح أقرب إلى ترف بعيد المنال.
وهو شعور يعكس أزمة أعمق تتعلق بالحكامة المحلية، وبقدرة المؤسسات المنتخبة على التفاعل الجدي مع انتظارات الساكنة، بعيدًا عن الخطاب المناسباتي والتبريرات الجاهزة.
الصويرة اليوم ليست في حاجة إلى مزيد من الشعارات أو التجميل الظرفي، بقدر ما هي في حاجة إلى وقفة صادقة لإعادة ترتيب الأولويات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ووضع مصلحة المدينة وسكانها فوق كل اعتبار سياسي أو انتخابي.
فمدينة بتاريخ الصويرة ورمزيتها لا تستحق أن تغرق في العشوائية، ولا أن تتحول من نموذج يُحتذى به إلى مثال يُستحضر للتحذير.
تعليقات الزوار