هبة زووم – محمد خطاري
بينما تتباهى الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية بتحقيق أرقام غير مسبوقة، يطرح واقع الشغيلة سؤالًا جوهريًا: من يصنع هذه الأرقام؟ ومن يجني ثمارها؟
هذا السؤال كان في صلب الاجتماع الأسبوعي الذي عقدته الكتابة التنفيذية للنقابة الوطنية للمحافظة العقارية، التابعة للجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، يوم الثلاثاء 23 دجنبر 2025.
الاجتماع جاء مباشرة بعد الإعلان الصادر عن المجلس الإداري للوكالة المنعقد يوم 18 دجنبر 2025، والذي أكد أن المؤسسة حققت رقم معاملات يقارب 11 مليار درهم خلال سنة 2025، وضخت ما مجموعه 7.5 مليار درهم لفائدة خزينة الدولة، إلى جانب تحفيظ 1.1 مليون هكتار، وإحداث مئات الآلاف من الرسوم العقارية والتقييدات.
أرقام توصف بـ”القياسية”، وتُقدَّم باعتبارها دليلاً على نجاعة التدبير ودينامية المؤسسة، لكنها في نظر النقابة لا يمكن فصلها عن مجهودات شغيلة الوكالة، التي تشتغل في ظروف بعيدة، في كثير من الأحيان، عن صورة المؤسسة النموذجية التي تسوقها البلاغات الرسمية.
ففي مقابل هذا الأداء المالي والمؤسساتي القوي، تؤكد النقابة أن المستخدمات والمستخدمين ما زالوا ينتظرون تفعيل وعود قديمة، في مقدمتها المنحة الاستثنائية التي التزمت بها إدارة الوكالة تقديرًا للمجهودات المبذولة، دون أن ترى النور إلى حدود اليوم. وهو ما يطرح، بحسب تعبير نقابي، إشكالية جدية في منطق التحفيز وتقاسم ثمار الإنجاز.
الملف الاجتماعي، الذي يفترض أن يشكل رافعة للاستقرار داخل مؤسسة استراتيجية من هذا الحجم، يعيش بدوره حالة جمود مقلقة. فمنذ سنة 2019، لا يزال مشروع قانون إحداث مؤسسة الأعمال الاجتماعية حبيس رفوف الأمانة العامة للحكومة، في مسلسل طويل من التماطل والتسويف، رغم ما تمثله هذه المؤسسة من أهمية في مجالات السكن والصحة والتمدرس والدعم الاجتماعي.
ولا تقف الاختلالات عند هذا الحد، إذ تسجل النقابة ضعف الميزانية المخصصة للأعمال الاجتماعية، وتأخر إنجاز مشاريع مبرمجة بكل من مراكش والصخيرات، إضافة إلى نقص حاد في الموارد البشرية المؤهلة لتدبير هذا الملف الحيوي، وتعقيد المساطر التي تفرغ مبدأ الاستفادة من مضمونه، وتفتح الباب أمام الإحساس بالتمييز وعدم الإنصاف.
أما على مستوى الإطار القانوني والمهني، فإن مشروع تعديل النظام الأساسي والاتفاق الاجتماعي، الذي اشتغلت عليه لجنة مشتركة لأشهر، لم يتجاوز بعد مرحلة النقاش، في ظل غياب مفاوضات جادة تفضي إلى تنزيل فعلي، يواكب حجم التحولات والرهانات الملقاة على عاتق الشغيلة.
وإذا كانت الوكالة تشتغل برؤية استراتيجية بعيدة المدى، فإن ظروف العمل اليومية، بحسب النقابة، لا تعكس هذه الرؤية، بنايات توصف بـ”الكارثية” في بعض المواقع، نقص في التجهيزات ووسائل العمل، وضغط متزايد في ظل ارتفاع وتيرة الإنتاج، كلها عناصر تهدد الاستقرار الاجتماعي داخل المؤسسة، وتناقض خطاب الجودة والنجاعة.
من هذا المنطلق، ترى النقابة الوطنية للمحافظة العقارية أن تحقيق الأرقام القياسية لا ينبغي أن يتحول إلى أداة للافتخار المؤسساتي فقط، بل يجب أن يكون مدخلًا حقيقيًا لتحسين أوضاع الشغيلة، وربط الإنجاز بالتحفيز، والنجاعة بالعدالة الاجتماعية.
فنجاح الوكالة، كما تؤكد النقابة، ليس معطى تقنيًا أو ماليًا محضًا، بل هو نتاج تضحيات يومية لمستخدمات ومستخدمين يستحقون أكثر من التنويه في البلاغات، ويطالبون بترجمة الاعتراف إلى قرارات ملموسة تحفظ كرامتهم المهنية والاجتماعية، وتضمن استدامة هذا النجاح بدل استنزاف من يصنعونه.
تعليقات الزوار