سيدي قاسم: تركة “الحبيب ندير” تجعل العامل الزروالي على تفكيك شبكة المصالح والولاءات التي ترسخت لسنوات
هبة زووم – سيدي قاسم
في سيدي قاسم، لا تُدار شؤون المدينة بمنطق الحكامة، بل بمنطق الأقنعة. هنا، حيث تُتقن صناعة الابتسامات أكثر مما تُتقن صناعة الخبز، وحيث تُسوَّق الولاءات في سوق مفتوح بثمنٍ يفوق كلفة الكرامة، تبدو السلطة المحلية وكأنها تائهة وسط مشهد عبثي، عاجزة عن مواجهة إرث ثقيل ما زال يخنق المدينة: تركة الحبيب ندير.
منذ تولي العامل الزروالي مهامه، كان الأمل معقودًا على قطيعة حقيقية مع ممارسات الماضي، وعلى تفكيك شبكة المصالح والولاءات التي ترسخت لسنوات، وحولت الإدارة إلى ملحق لخدمة فئة محدودة.
غير أن الواقع يكشف، يومًا بعد آخر، أن هذه التركة لم تُمسّ، بل أعادت إنتاج نفسها بأقنعة جديدة، وبلغة أكثر نعومة، ولكن بالمنطق ذاته: النفوذ، الزبونية، والانتفاع.
في شوارع المدينة، لا حديث عن مشروع تنموي واضح، ولا أثر لإرادة سياسية حازمة، بدل ذلك، يسود منطق الهمس، وتنتعش تجارة المصالح الصغيرة، ويُداس كل ما هو نزيه تحت أقدام الانتهازية.
أشخاص يركضون خلف الامتيازات كما لو كانت طوق نجاة، يصفقون اليوم ويهاجمون غدًا، وفق اتجاه الريح، دون خجل أو حساب.
الأنانية هنا لا تختبئ، بل تتباهى، والانتهازية ترقص في وضح النهار، والنفاق أصبح عملة رائجة في كل مصافحة باردة، أما السلطة، فبدل أن تضرب بيد من حديد على هذه الممارسات، تبدو وكأنها تراقب المشهد من بعيد، أو أسوأ من ذلك، تتعايش معه، في صمت يطرح أكثر من علامة استفهام.
في المساء، حين تتزين سيدي قاسم بأضواء نيون باهتة، تشبه نجومًا مزيفة معلقة بخيوط الكهرباء، يختفي الخطاب الرسمي، وتبقى الحقيقة عارية: مدينة تُدار بلا بوصلة، وسلطة لم تنجح في كسر الحلقة المفرغة لفساد قديم متجدد.
إن الفشل في مواجهة تركة الحبيب ندير ليس مسألة أشخاص، بل اختبار لإرادة الدولة محليًا. فإما أن تُستعاد هيبة السلطة وتُربط المسؤولية بالمحاسبة، أو أن تظل سيدي قاسم حقلًا تُزرع فيه الأقنعة، ويُقتلع فيه كل ما هو صادق، ليبقى المواطن مجرد متفرج على مسرحية رديئة الإخراج.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح: هل يملك العامل الزروالي الشجاعة السياسية لقطع الحبل السري مع الماضي، أم أن المدينة ستظل أسيرة إرث ثقيل يُغيّر الوجوه ولا يغيّر القواعد؟