هبة زووم – سيدي قاسم
لم تعد مدينة سيدي قاسم تعاني فقط من اختلالات عابرة في تدبير الشأن المحلي، بل باتت تعيش على وقع تراجع مقلق يمس صورتها الحضرية وهويتها المجالية، في مشهد يطرح سؤالاً حارقاً: من له مصلحة في “ترييف” المدينة ودفعها نحو مزيد من الفوضى والتهميش؟
بدل أن تتوحد الجهود لخدمة التنمية، تحولت المدينة إلى فضاء للصراعات الضيقة والحسابات السياسية العقيمة، حيث ينشغل الفاعلون بتصفية الخلافات بدل بناء المشاريع. والنتيجة: مدينة تتراجع، وإمكانات تُهدر، وثقة المواطن تتآكل يوماً بعد يوم.
إن ما تعيشه سيدي قاسم اليوم ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لغياب رؤية جماعية قادرة على تعبئة الطاقات المحلية، وإخراج المدينة من حالة الجمود التي ترزح تحتها.
في قلب هذا التراجع، تبرز مظاهر عشوائية صارت جزءاً من المشهد اليومي: انتشار الباعة المتجولين واحتلال الأرصفة؛ تمدد “المقاهي المتنقلة” والمطاعم العشوائية؛ استباحة الفضاءات العمومية دون حسيب أو رقيب؛ مع تفشي ظواهر الكلاب الضالة واستعمال الدواب داخل المجال الحضري.
هذه الصور لا تعكس فقط اختلالاً في التنظيم، بل تكشف عن انهيار تدريجي لهيبة القانون، حيث يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والفوضى إلى نمط عيش مفروض.
الخلل هنا لا يكمن في وجود أنشطة غير مهيكلة في حد ذاتها، بل في غياب إرادة حقيقية لإدماجها داخل منظومة قانونية واضحة، فالدفاع عن حق الناس في كسب قوتهم لا يعني ترك المجال العام نهباً للعشوائية، بل يقتضي تأطيراً يوازن بين البعد الاجتماعي ومتطلبات النظام الحضري.
الأصابع تتجه بشكل مباشر نحو صناع القرار المحلي، الذين يتحملون مسؤولية ما آلت إليه المدينة من تراجع. فغياب المراقبة، وضعف التدخلات، والتراخي في تطبيق القانون، كلها عوامل ساهمت في تكريس هذا الوضع، فالأمر لا يتعلق فقط بتدبير يومي، بل بفشل في استشراف مستقبل المدينة وصيانة جاذبيتها.
فحين تفقد المدينة نظامها وجماليتها، تفقد معها قدرتها على جذب الاستثمار، واحتضان المبادرات، وتوفير شروط العيش الكريم، وهنا يتحول الترييف من مجرد وصف مجازي إلى واقع ملموس، يهدد بتحويل المجال الحضري إلى فضاء فاقد للهوية والتنظيم.
ما تحتاجه سيدي قاسم اليوم ليس خطابات إنشائية، بل قرارات شجاعة تعيد الاعتبار للقانون، وتنظم الفضاء العام، وتُخرج الأنشطة العشوائية من الفوضى إلى الهيكلة.
المعركة الحقيقية ليست ضد الباعة أو الفئات الهشة، بل ضد منطق التسيب الذي يقتل المدن ببطء، إما أن تستعيد سيدي قاسم روحها الحضرية، أو تواصل الانزلاق نحو نموذج مشوه لا يخدم أحداً.
تعليقات الزوار