كلميم.. حين تتحول التزكيات إلى “بورصة سوداء” والانتداب إلى صفقة بالملايين

هبة زووم – علال الصحراوي
لم يعد ما يجري في كواليس المشهد السياسي بإقليم كلميم مجرد تنافس ديمقراطي طبيعي بين الأحزاب، بل تحول إلى ما يشبه “بورصة سوداء” تُعرض فيها التزكيات لمن يدفع أكثر، وتُختزل فيها السياسة في منطق الصفقات والمصالح الضيقة، بعيداً عن أي اعتبار لإرادة الناخب أو أخلاقيات العمل الحزبي.
في هذا السياق، تعيش كلميم على وقع غليان غير مسبوق، تغذيه معطيات ميدانية تتحدث عن تدخلات مثيرة للجدل، يُنسب بعضها إلى دوائر السلطة، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول حدود الحياد المفترض في تدبير الاستحقاقات المقبلة.
المثير في هذه المرحلة ليس فقط حدة الصراع، بل طبيعة اللاعبين أنفسهم، فبعض الأسماء التي فشلت في انتزاع تزكيات من عدة أحزاب، تحولت إلى ما يشبه “المرشحين المتنقلين”، يطرقون أبواب التنظيمات السياسية واحداً تلو الآخر، في مشهد يختزل أزمة عميقة في بنية العمل الحزبي.
رفض من هنا، وإغلاق باب من هناك، قبل أن يُفتح فجأة باب آخر، ليس بناءً على مشروع سياسي أو رصيد نضالي، بل وفق حسابات ظرفية لا علاقة لها بالتمثيلية الحقيقية. هكذا تتحول الأحزاب إلى “محطات عبور” بدل أن تكون فضاءات للتأطير السياسي الجاد.
لكن أخطر ما يُتداول في كواليس كلميم هو الحديث عن “صفقة” مالية قد تصل إلى مبالغ فلكية مقابل الحصول على تزكية انتخابية، رقم صادم، إن صحّ، لا يعكس فقط انحرافاً أخلاقياً، بل يكشف انهياراً كاملاً لمنظومة القيم التي يفترض أن تؤطر العمل السياسي.
عندما يصبح المقعد البرلماني سلعة تُشترى، فإن العملية الانتخابية تفقد معناها، ويتحول الناخب إلى مجرد رقم في معادلة محسومة سلفاً، بل الأخطر من ذلك، أن مثل هذه الممارسات تفتح الباب أمام “تبييض النفوذ” داخل المؤسسات المنتخبة، وتكرس هيمنة المال بدل الكفاءة.
ما تعيشه كلميم ليس حالة معزولة، بل تجسيد صارخ لظاهرة الترحال السياسي التي تحولت إلى ثقافة قائمة بذاتها. منتخب ينتقل من حزب لآخر مع كل استحقاق، دون أي حرج أو محاسبة، وكأن البرامج والمرجعيات مجرد أقنعة ظرفية.
هذه الظاهرة لا تسيء فقط للأحزاب، بل تضرب في العمق ثقة المواطنين، خصوصاً الشباب، الذين باتوا ينظرون إلى السياسة كـ”لعبة كراسي” بين أعيان يبحثون عن مواقع نفوذ، لا عن خدمة الصالح العام.
أمام كل هذه المعطيات، يظل الصمت سيد الموقف. لا توضيحات رسمية، ولا فتح تحقيقات، ولا حتى إشارات تطمئن الرأي العام بأن هناك إرادة حقيقية لضبط هذا الانفلات.
فمن يراقب هذه “البورصة” المفتوحة؟ ومن يضع حداً لتحويل التزكيات إلى صفقات؟ وأين هي الأحزاب من كل هذا، وهي التي يفترض أن تكون حامية للممارسة الديمقراطية لا طرفاً في إفسادها؟
ما يجري في كلميم اليوم ليس مجرد صراع انتخابي، بل اختبار حقيقي لمدى صلابة الدولة في حماية المسار الديمقراطي، فإما أن يتم وضع حد لهذا الانزلاق الخطير، أو سنكون أمام مرحلة يُختزل فيها العمل السياسي في منطق المال والنفوذ، ويُختطف فيها صوت المواطن لصالح “سماسرة التزكيات”.
الرهان اليوم لم يعد فقط على من يفوز بالمقعد، بل على ما إذا كانت الديمقراطية نفسها ستنجو من هذا العبث.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد