كلميم: أموال الصفقات العمومية في مهب الريح والوالي أبهاي بين صمت المراقبة وشبكات النفوذ!
هبة زووم – علال الصحراوي
تظل فضائح الصفقات العمومية بكلميم، في عهد الوالي أبهاي، موضوعًا يحرك الفضول، ويثير الغضب، ويكشف هشاشة الرقابة على المال العام، فبينما ينتظر المواطن النتائج الملموسة على أرض الواقع، يجد نفسه غالبًا أمام حقيقة مُرة: أموال دافعي الضرائب جرت توزيعها وفق شبكات نفوذ وابتزازات خفية، في مشهد يعكس أزمة حكامة خانقة تهدد مصداقية التدبير الترابي برمتها.
ومن زاوية ساخرة، لو كانت هذه الصفقات مسابقة للألعاب السحرية، لكان بعض المسؤولين والشركات قد فازوا بالميدالية الذهبية دائمًا، بينما يبقى المواطن متفرجًا، محاصرًا بين وعد براز وواقع يختلف تمامًا. فالسحر الإداري في كلميم لا يُنتج “تنمية”، بل يُنتج شكوكًا وغضبًا وفقدانًا للثقة في مؤسسات الدولة.
في بعض الحالات، تمر الصفقات العمومية عبر ما يشبه “مسار الثعبان”: بدايةً إعلان رسمي بواجهة براقة، يتبعها إجراءات شكلية لمناقصة، ثم مرحلة التقييم التي غالبًا ما تخفي اختيارات مسبقة لصالح جهة معينة.
بينما يتصور المواطن أن هناك تنافسًا شريفًا وشفافًا، يكون القرار النهائي في كثير من الأحيان مكتوبًا مسبقًا لصالح شركة بعينها، في انتهاك صارخ لمبادئ المنافسة الحرة والمساواة في ولوج الصفقات العمومية.
هذا التدبير يطرح إشكاليات وجودية: أين هي لجان المراقبة المستقلة التي يفترض أن تضمن نزاهة عمليات المناقصة؟ ولماذا لا تُعلن تفاصيل معايير الاختيار لضمان شفافية عملية التقييم؟ وكيف يمكن للمقاولين الصغار أن ينافسوا بينما الكبار يحظون بقرارات مسبقة؟
فتحويل المناقصة العمومية من أداة للتنمية إلى غنيمة للنافذين لا يُهدر فقط المال العام، بل يُرسّخ ثقافة الفساد المُقنن التي لطالما عانت منها الإدارات الترابية في المغرب.
الصفقات العمومية ليست مجرد أرقام على الورق، ولا هي مجرد عقود تُوقع بين شركات والدولة، إنها، في واقع كلميم اليوم، نافذة تطل على عالم من المصالح المتشابكة، الضغوط السياسية، والصفقات الملتوية التي تُدار في الخفاء.
هذا العالم الموازي يطرح أسئلة محرجة: من يحدد الشركات الفائزة قبل حتى فتح الأظرفة؟ وأين هي آليات المحاسبة التي تردع من يثبت تورطه في التلاعب بالصفقات؟ وكيف يمكن للمواطن أن يراقب مصير أمواله بينما تُدار الصفقات في غرف مغلقة؟
إن استمرار الغموض حول تدبير الصفقات العمومية لا يُغذي فقط شكوك الرأي العام، بل يُهدر ثقة المواطنين في قدرة الدولة على حماية مالهم العام من سوء التدبير.
ولسبب واضح، يظل موضوع الصفقات العمومية دائم الجذب للقراء: من يريد أن يعرف كيف تُدار الأموال العامة، وكيف تتنقل المشاريع من يد إلى يد، دون أن يرى المواطن نتيجة حقيقية على الأرض؟
في كلميم، تتراكم الوعود التنموية بينما تظل النتائج الملموسة غائبة: طرق لم تُعبد، مدارس لم تُبنَ، مستوصفات لم تُجهز، بينما تُصرف الملايير في صفقات ورقية لا أثر لها في الميدان.
هذه الفجوة الصارخة تطرح إشكاليات استراتيجية: أين هي تقارير تتبع إنجاز المشاريع الممولة من الصفقات العمومية؟ ولماذا لا تُنشر خرائط جغرافية توضح مواقع المشاريع المنجزة مقارنة بالمعلن عنها؟ وكيف يمكن ضمان جودة الأشغال بينما تُمنح الصفقات لشركات غير مفهومة أو غير مؤهلة؟
فتحويل التنمية من مشروع ملموس إلى شعار إعلامي لا يُهدر فقط المال العام، بل يُعمّق شعور المواطنين باللامبالاة المؤسسية التي تُحوّل وعود المسؤولين إلى كلمات في مهب الريح.
في ظل تفاقم هذه الاختلالات، يبرز صمت الوالي أبهاي كنقطة ضعف إضافية، فبينما يُفترض أن يتدخل الوالي كـ”حَكَم محايد” وحام للمال العام لضمان نزاهة الصفقات العمومية، يبدو أن الخيار هو المراقبة من بعيد.
هذا الصمت الإداري يطرح أسئلة محرجة: أين هي الزيارات الميدانية للوالي لمعاينة واقع المشاريع الممولة من الصفقات العمومية؟ ولماذا لا تُعلن عمالة كلميم عن لائحة الشركات المستبعدة من المناقصات وأسباب الاستبعاد؟ وكيف يمكن للمواطن أن يثق في نزاهة الصفقات بينما تستمر الشكوك في الانتشار دون رد رسمي؟
فاستمرار الصمت لا يُضعف فقط مصداقية الوالي، بل يُهدر هيبة الدولة في نظر المواطنين الذين ينتظرون من ممثليها فرض احترام القانون ومحاسبة المفسدين.
لم يعد مقبولاً أن تُترك أموال الصفقات العمومية بكلميم رهينة شبكات النفوذ وصمت المسؤولين، ما يحتاجه المواطنون والمهتمون بالشأن الترابي اليوم هو فتح تحقيق إداري ومالي عاجل في الصفقات العمومية المشبوهة بكلميم، مع نشر النتائج للرأي العام.
كما يتطلب الأمر إلزام جميع الجهات المتدخلة بنشر تفاصيل الصفقات (الشركات الفائزة، المبالغ، المعايير، آجال الإنجاز) على منصات رقمية يسهل الولوج إليها، بالإضافة إلى تفعيل دور لجان المراقبة المستقلة التي تضم ممثلين عن المجتمع المدني والخبراء، لمراقبة عمليات المناقصة من الإعلان إلى التسليم.
ويُنتظر أيضاً محاسبة لكل من يثبت تورطه في التلاعب بالصفقات أو تبذير المال العام، لضمان ردع حقيقي يقطع مع ثقافة الإفلات، مع اعتماد شفافية كاملة في تتبع إنجاز المشاريع، ونشر تقارير دورية مصورة توثق تقدم الأشغال وجودة التنفيذ.
ما تعيشه كلميم مع الصفقات العمومية ليس خللاً إدارياً عابراً، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة الترابية وقدرة الوالي الناجم أبهاي على تجاوز عقلية التعتيم لخدمة المصلحة العامة.