هبة زووم – الرباط
تدخل أزمة مشروع قانون المحاماة منعطفًا تصعيديًا جديدًا، بعدما أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب توسيع نطاق احتجاجاتها ضد النص الذي أعدّته الحكومة، في خطوة تعكس حجم الاحتقان داخل الجسم المهني، وتؤشر على فشل واضح لمنهجية التعاطي الحكومي مع واحدة من أكثر المهن ارتباطًا بضمانات العدالة ودولة القانون.
فبدل أن يكون مشروع قانون المحاماة ثمرة نقاش مؤسساتي مسؤول وحوار جدي مع ممثلي المهنة، اختارت الحكومة، بحسب ما تؤكده الجمعية، منطق فرض الأمر الواقع، متجاهلة النداءات المتكررة لفتح قنوات تشاور حقيقية حول مضامين نص يهم ليس فقط المحامين، بل المنظومة القضائية برمتها.
بلاغ مكتب جمعية هيئات المحامين، الصادر عقب اجتماعه المفتوح بالرباط، لم يُخفِ استياءه مما وصفه بتجاهل وزارة العدل لمطالب المحامين، معتبرًا أن المشروع المعروض يفتقر إلى التوافق، ولا ينسجم مع تطلعات المهنة ولا مع التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي في مجال الحقوق والحريات، وهو ما يعكس، مرة أخرى، أزمة مقاربة حكومية تُصرّ على التشريع من فوق، دون إشراك فعلي للفاعلين المعنيين.
وأمام هذا الانسداد، قررت الجمعية الانتقال إلى مرحلة أكثر حدة في الاحتجاج، عبر تنظيم ندوة وطنية بالرباط يوم 15 يناير، ليس فقط لشرح مضامين المشروع، بل لفتح نقاش مهني عميق حول مستقبل المحاماة في ظل إصلاحات تُصاغ خارج إرادة أهلها.
كما أعلنت عن توقف وطني شامل عن تقديم الخدمات المهنية خلال ستة أيام موزعة على شهر يناير 2026، في رسالة تصعيدية واضحة مفادها أن الصبر المهني بلغ حدوده القصوى.
هذا التصعيد لا يمكن فصله عن شعور عام داخل صفوف المحامين بأن استقلالية المهنة وكرامتها أصبحتا مهددتين، وأن المشروع الحكومي، بصيغته الحالية، قد يفتح الباب أمام تقليص أدوار الدفاع وضرب التوازنات الدقيقة داخل منظومة العدالة، وهو ما يفسر التعبئة الواسعة والانخراط القوي الذي تحدثت عنه الجمعية، في مشهد غير مسبوق من حيث وحدة الصف المهني.
الأخطر في هذه الأزمة، ليس فقط الخلاف حول مواد قانونية، بل ما تكشفه من خلل بنيوي في علاقة الحكومة بالهيئات المهنية، حيث يُعاد إنتاج نفس السيناريو: إصلاحات تُسوّق باسم التحديث، لكنها تُدار بعقلية الإقصاء، وتنتهي باحتجاجات كان يمكن تفاديها بحوار جدي ومسؤول.
وإذ تؤكد جمعية هيئات المحامين استعدادها لخوض جميع الأشكال النضالية المشروعة، فإن الكرة باتت في ملعب الحكومة، إما أن تراجع منهجيتها وتفتح نقاشًا حقيقيًا حول مشروع يمس صميم العدالة، أو أن تتحمل مسؤولية توتير المناخ القضائي، في مرحلة يفترض أن تكون فيها الثقة في المؤسسات أولوية لا شعارًا عابرًا.
تعليقات الزوار