هبة زووم – خنيفرة
في خنيفرة، لم تعد السياسة ساحة للتنافس حول البرامج أو الرؤى، بل تحوّلت، بفعل اختلال ميزان السلطة وغياب الحزم، إلى ورقة قابلة للصرف في سوق المصالح الضيقة.
مشهدٌ لا يختلف كثيرًا عن أزقة معتمة تُدار فيها الصفقات بعيدًا عن الضوء، حيث يبرز فاعلون امتهنوا تبديل المواقف كما يُبدَّل القميص، بلا حرج ولا تردد، وكأن الانتماء السياسي مجرد تفصيل عابر لا يستحق الالتزام أو الوفاء.
ظاهرة الترحال الحزبي بخنيفرة لم تعد استثناءً، بل أصبحت قاعدة غير مكتوبة في المشهد المحلي. سياسيون يتنقلون بين الأحزاب كما يتنقل السائح بين الفنادق، لا يربكهم اختلاف المرجعيات، ولا يقيّدهم خطاب أو برنامج.
اليسار واليمين، المعارضة والحكومة، ليست سوى محطات مؤقتة في رحلة واحدة عنوانها البحث عن الكرسي، وضمان الامتيازات، وتأمين موقع “مريح” داخل المنظومة.
هؤلاء لم يدخلوا السياسة عن قناعة أو إيمان بالمشروع العام، بل ولجوها من باب المصلحة الصرفة، لا يسألون عن البرامج ولا عن الوعود المقدّمة للناخبين، بل عن “البرستيج”، والتعويضات، والراتب، وما يرافق المناصب من نفوذ رمزي ومادي، ومن يبيع ضميره في المزاد لا يمكنه الادعاء بالانتماء، ولا الدفاع عن المبادئ.
كم من وجه سياسي بدأ مسيرته بخطاب ناري ضد “الفساد”، قبل أن ينتهي متعايشًا معه، أو مبررًا له، أو حتى ناطقًا باسمه؟ وكم من معارض شرس تحوّل، عند أول إعلان عن تحالف جديد، إلى أول المصفقين، وأشد المدافعين عن اختيارات كان بالأمس القريب يصفها بالكارثية؟
في هذا السياق، تتحول المناصب إلى آلة لطمس الذاكرة، وتغدو الكراسي مقصًا يمزّق ما تبقى من خطاب ومواقف، غير أن اختزال المسؤولية في هؤلاء وحدهم قراءة قاصرة، لأن العطب أعمق من مجرد أفراد.
فالمعضلة الحقيقية تكمن في منظومة سياسية وإدارية تسمح بهذا الترحال العبثي، وتكافئ الانتهازية، بينما تُقصي من يصرّون على الموقف والوضوح والكرامة.
وهنا يبرز دور السلطة الترابية، التي يفترض أن تضطلع بوظيفة التحكيم وضمان تكافؤ الفرص واحترام قواعد اللعبة الديمقراطية، غير أن ضعف العامل أهوران، وعجزه عن فرض منطق الصرامة والمؤسسات، فتح المجال واسعًا أمام إعادة إنتاج نفس الوجوه، بنفس السلوك، وتحت شعارات مختلفة.
ضعفٌ لا يُترجم فقط في غياب الضبط، بل في ترك السياسة تتحول إلى مجال مفتوح للمساومة والابتزاز الرمزي.
إن استمرار هذا الوضع لا يسيء فقط إلى صورة العمل السياسي بخنيفرة، بل يفاقم أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات، ويجعل السياسة، في نظر فئات واسعة، مرادفًا للنفاق وتبديل الأقنعة، بدل أن تكون فضاءً للتنافس النزيه وخدمة الصالح العام.
وأمام هذا الواقع، يظل السؤال معلقًا: إلى متى سيستمر هذا العبث؟ وهل يملك العامل أهوران الإرادة والشجاعة لإعادة الاعتبار لقواعد العمل السياسي، أم أن خنيفرة ستظل رهينة سياسة تُدار بالولاءات المتحركة، وتُصرف فيها المواقف كما تُصرف العملة في سوق بلا ضوابط؟
تعليقات الزوار