هبة زووم – الرباط
يبدو أن وزير الثقافة والاتصال، المهدي بنسعيد، يعيش نشوة انتصار مبكر، بل وربما وهمًا سياسيًا مكتمل الأركان.
فبعد تمرير مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة داخل مجلس المستشارين، سارع الوزير إلى نقل “الإنجاز” إلى بيته الحزبي، واضعًا إياه على طاولة المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، كما لو أن الأمر يتعلق بفتح تشريعي مبين، لا بمشروع قانون أثار رفضًا واسعًا وجدلاً غير مسبوق داخل الجسم الصحفي والسياسي.
التحرك الحزبي السريع لم يكن بريئًا ولا تقنيًا، بل حمل في طياته محاولة واضحة لتكريس رواية رسمية مفادها أن ما جرى “نجاح مؤسساتي”، في وقت ترى فيه قطاعات واسعة من المهنيين والمعارضين أن ما تم تمريره لا يعدو أن يكون قانونًا مفروضًا بقوة الأغلبية العددية، في سياق وصفته المعارضة بـ”التغول التشريعي”، الذي لولاه لما كان لمشروع وُصف على نطاق واسع بـ”قانون فراقشية الصحافة” أن يرى النور.
بلاغ المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي أثنى فيه على ما سماه “الجهود الجبارة” التي بذلها البرلمانيون داخل غرفتي البرلمان، بدا منفصلاً عن السياق الحقيقي للنقاش العمومي.
فالإشادة بالعمل داخل اللجان ولساعات طويلة، لا يمكن أن تحجب حقيقة أن جوهر الاعتراض لم يكن يومًا مرتبطًا بعدد ساعات النقاش، بل بطبيعة المشروع نفسه، وفلسفته، وانعكاساته على استقلالية التنظيم الذاتي للمهنة.
الأكثر إثارة للانتباه، هو لجوء الحزب إلى خطاب يوحي بأن أي انتقاد لهذا المسار هو “تبخيس” لعمل البرلمان، بل و”طعن في أدوار ممثلي الأمة” و”في ثقة المؤسسات الدستورية والأعراف الديمقراطية”.
وهو منطق يخلط، عن قصد أو غير قصد، بين نقد التشريع والتشكيك في المؤسسات، في محاولة مكشوفة لتحصين القانون سياسياً وأخلاقياً، بدل مواجهته بالحجج الدستورية والمهنية.
وإن كان الحزب قد حاول، في فقرة لاحقة، إبداء “تقديره لجهود المعارضة واحترامه لأدوارها الدستورية”، فإن هذا الكلام بدا أقرب إلى التجميل الخطابي منه إلى موقف سياسي متماسك، خاصة وأن المعارضة البرلمانية لم تكتف بالتعبير عن رفضها، بل انتقلت إلى تفعيل آلية دستورية واضحة، بإعلانها إحالة مشروع القانون رقم 026.25 على المحكمة الدستورية.
فمكونات المعارضة، من الاتحاد الاشتراكي، والحركة الشعبية، والتقدم والاشتراكية، والعدالة والتنمية، إضافة إلى النواب غير المنتسبين، لم تطعن في “البرلمان” ولا في “المؤسسات”، بل لجأت إلى أعلى هيئة دستورية للبت في مدى مطابقة هذا القانون لمقتضيات الدستور، في خطوة تؤكد أن الخلاف خلاف حول المشروعية الدستورية لا حول الشرعية السياسية.
أمام هذا المشهد، يبدو أن الاحتفال الحزبي بما يعتبره وزير الثقافة “إنجازًا” سابق لأوانه، لأن الكلمة الفصل لم تُقل بعد.
فبين وهم الانتصار التشريعي، واحتمال السقوط الدستوري، يقف قانون المجلس الوطني للصحافة في منطقة رمادية، تعكس أزمة أعمق في تدبير علاقة الدولة بالمهنة، وحدود الإصلاح حين يُفرض من الأعلى، بدل أن ينبني على التوافق والثقة والاستقلالية.
تعليقات الزوار