هبة زووم – الرشيدية
تعيش مدينة الرشيدية، في صمت مقلق، على إيقاع ممارسات دخيلة على منطق الدولة والمؤسسات، يقودها أشخاص احترفوا التسلل إلى محيط السلطة عبر أساليب لا تمت بصلة للعمل العمومي الرصين، من تملق فجّ، وتضخيم للعلاقات، وترويج لمغالطات هدفها الأساسي تصفية الحسابات وخدمة مصالح انتخابية واستثمارية ضيقة.
هؤلاء لا يترددون في تحويل مجرد الجلوس العابر مع الوالي أو الكاتب العام، أو مكالمة هاتفية عادية، إلى “رأسمال نفوذ” يُستعمل للضغط على المنتخبين، والتأثير على مدراء الإدارات اللاممركزة، في محاولة لتقديم أنفسهم كوسطاء إلزاميين لأي ملف أو مصلحة داخل الولاية.
الأخطر من ذلك، أن بعض هؤلاء يدّعي امتلاك “مفاتيح” أقسام ومصالح الولاية، ويوهم المواطنين والمنعشين العقاريين والمنتخبين بأن المرور عبرهم شرط لتعبيد الطريق أمام الملفات، في إعادة إنتاج فجّة لمنطق “الشكّام” الذي يفترض أن المغرب قد طواه مع بناء دولة القانون.
إننا أمام فئة تتقن فن تغيير المواقف والشعارات حسب اتجاه الريح، فتراها اليوم في صف، وغدًا في نقيضه، بلا حرج ولا مرجعية، مستعدة للتضحية بالمبادئ والمصلحة العامة مقابل ضمان موقع، أو صفقة، أو نفوذ مؤقت.
وأمام هذا الواقع، تبرز مسؤولية الوالي بشكل واضح، ليس في الانغلاق، ولكن في تحصين محيطه من هذا النوع من “المستثمرين في القرب”، والقطع النهائي مع ممارسات الأمس القائمة على الإشاعة والتحدث باسم الدولة، من قبيل: “قال لي السيد الوالي”، “طلب مني السيد الوالي”، “تعشّينا البارحة مع السيد الوالي”…، وهي عبارات لا تعيش إلا في خيال أصحابها، لكنها للأسف تُستعمل لإيهام الناس بسلطة غير موجودة.
كما يظل الانفتاح مطلوبًا، لكن انفتاحًا حذرًا وذكيًا، لا يسمح بتحويل الجلسات إلى مظلة للتضليل، ولا يمنح شرعية وهمية لمن يتغذون على الغموض والالتباس.
وفي السياق ذاته، يصبح من الضروري حث مسؤولي العمالة على عدم الخضوع لشطحات هؤلاء، والتعامل مع ملفات الجماعات والمنعشين العقاريين وغيرهم بمنطق القانون فقط، لأن جميع المغاربة متساوون أمامه، كما ينص على ذلك الفصل السادس من الدستور، لا بميزان القرب ولا بميزان الادعاء.
وأخيرًا، فإن الولاية تتوفر على أطر إدارية وتقنية ذات كفاءة وتجربة ومعرفة دقيقة بملفات الإقليم، وهو ما يفرض التوظيف الأمثل للعنصر البشري، بدل ترك المجال لمنطق “الوساطة المشبوهة” و”الشكامة”، التي لا تنتج سوى العبث وفقدان الثقة.
إن حماية هيبة الدولة في الرشيدية لا تمر عبر الأشخاص، بل عبر المؤسسات، ولا تُبنى بالمجاملات، بل بتكريس الوضوح، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجفيف منابع نفوذ الظل.
تعليقات الزوار