هبة زووم – الرشيدية
المتجول في دروب وأزقة مدينة الرشيدية لا يحتاج إلى كثير عناء ليكتشف أن الزمن هنا لا يتحرك بالوتيرة نفسها التي تعلنها الخطابات الرسمية.
شوارع محفّرة، أزقة متشققة، وبنية تحتية توحي وكأن الزمن قد توقف في تسعينيات القرن الماضي، والمفارقة الصادمة أن هذا المشهد البئيس يتعايش مع أرقام ضخمة صُرفت، على الورق، من أجل “تأهيل المدينة” وتحسين جودة العيش بها.
ملايين الدراهم ضُخت في مشاريع يفترض أنها غيّرت وجه الرشيدية، غير أن الواقع الميداني يطرح سؤالًا محرجًا: هل كانت الغاية فعلًا هي التأهيل، أم أن المدينة تحولت إلى حقل تجارب وصفقات متكررة تلتهم الميزانيات دون أثر ملموس؟
سؤال يزداد إلحاحًا حين يتم التوقف عند نموذج شارع مولاي علي الشريف، الذي بات رمزًا صارخًا لسوء التدبير وتكرار نفس الأخطاء.
هذا الشارع، الذي أُعيد تأهيله لأول مرة في تسعينيات القرن الماضي في عهد العامل المذكوري، شهد لاحقًا أشغالًا جديدة بدعوى تمرير قنوات كبرى للصرف الصحي، ليتم بعدها تأهيله من جديد خلال فترة رئاسة عبد الله الهناوي للمجلس البلدي.
إلى حدود هذه المرحلة، قد يُفهم منطق الأشغال في سياق تطور البنية التحتية، غير أن ما يثير الريبة هو الإصرار على برمجة صفقات إضافية بالملايير لإعادة تأهيل الشارع نفسه مرة ثالثة، في وقت تعيش فيه باقي شوارع المدينة وأزقتها وضعًا كارثيًا.
إعادة تأهيل شارع واحد ثلاث مرات، وبميزانيات وُصفت بالخيالية، لا يمكن أن تمر دون مساءلة. فالأمر هنا لا يتعلق باختلال تقني عابر، بل بشبهة سوء تدبير، وغياب رؤية شمولية لتأهيل المدينة، واستسهال توجيه الاعتمادات إلى نفس النقاط، بينما تُترك أحياء بأكملها خارج أي مخطط جدي.
الأكثر إثارة للاستغراب أن هذه الاختيارات تتم في مدينة تُعد عاصمة لجهة درعة تافيلالت، حيث يفترض أن تكون البنية التحتية نموذجًا يُحتذى به، لا عنوانًا للتهميش وسوء البرمجة.
أزقة فرعية تبدو وكأنها تنتمي إلى عالم قروي منسي، وشوارع رئيسية خارج أي معايير حضرية، في تناقض صارخ مع ما يُعلن عن برامج تنموية كبرى.
أمام هذا الوضع، يصبح فتح تحقيق إداري ومالي، وإيفاد لجان تفتيش مستقلة، مطلبًا مشروعًا لوقف هذا النزيف، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ووضع حد لمنطق “إعادة التأهيل من أجل التأهيل”، الذي لم يُنتج سوى مزيد من التدهور وفقدان الثقة في تدبير الشأن المحلي.
