هبة زووم – شيشاوة
لم يعد ما تعيشه شيشاوة في عهد العامل بوعبيد الكراب مجرد اختلالات معزولة أو أعطاب ظرفية يمكن تبريرها بسوء الحظ أو تراكمات الماضي، بل أصبح وضعًا عامًا يوحي بأن الإقليم دخل فعليًا مرحلة السنوات العجاف، حيث تتكاثر الأزمات، وتتراجع الثقة، وتنهك الإدارة المواطن بدل أن تخدمه.
فاليوم، تتقاطر الملفات على القضاء، رؤساء جماعات منتخبون في قفص الاتهام، برلمانيون تطالهم المتابعات، وقرارات تتخذ بعد فوات الأوان، في مشهد يبعث برسائل سلبية إلى الداخل والخارج معًا، وكأن شيشاوة، دون غيرها، تحولت إلى مختبر مفتوح لاختبار حدود الصبر الشعبي، وحدود صمت السلطة الإدارية.
هذا التراكم غير المسبوق للقضايا، لا يسيء فقط إلى صورة الجماعات الترابية، بل يخلق انطباعًا خطيرًا بأن المؤسسات التمثيلية باتت مرتعًا للاختلالات، وأن الفساد – أو على الأقل سوء التدبير – صار هو القاعدة لا الاستثناء. صورة تذكر، للأسف، بنماذج قاتمة من دول كانت فيها المؤسسات واجهات شكلية، بينما القرار الحقيقي يُدار في الظل، وبعيدًا عن المحاسبة.
لكن الخطير في كل هذا، ليس فقط تعدد الملفات، بل غياب الإحساس بوجود إدارة ترابية قادرة على الاستباق، إدارة تقرأ المؤشرات قبل أن تنفجر، وتتصرف قبل أن يصل السيل الزبى.
ففي عهد العامل الكراب، يبدو أن التدخل غالبًا ما يأتي متأخرًا، بعد أن تتحول الأعطاب إلى فضائح، والتجاوزات إلى ملفات قضائية.
ساكنة شيشاوة لا تطالب بالمستحيل، ولا تنتظر المعجزات، مطلبها بسيط، لكنه عميق الدلالة: إدارة تحترم الزمن الإداري، وتتعامل مع المواطن باعتباره صاحب حق لا طالب إحسان، إدارة تؤمن أن الخدمة العمومية شرف ومسؤولية، وليست صدقة تُمنح أو تُحجب حسب المزاج أو الحسابات الضيقة.
اليوم يحلم المواطن الشيشاوي بأن يقضي غرضًا إداريًا بسيطًا دون أن يخوض “رحلة وطنية” بين المقدم والقائد والجماعة والعمالة والمصالح المتداخلة، رحلة تُهدر فيها الأيام والأسابيع، ويُستنزف فيها الصبر، وكأن الوثيقة الإدارية امتحان في التحمل لا حق مكفول بالقانون.
في ظل هذا الواقع، يصبح السؤال مشروعًا ومُلِحًّا: ما دور العامل في إعادة الاعتبار للإدارة الترابية؟ وهل يكتفي بموقع المتفرج على انهيار الثقة بين المواطن والمؤسسات، أم يتحمل مسؤوليته السياسية والأخلاقية في تصحيح المسار؟
قضية شيشاوة اليوم ليست قضية أشخاص، بل قضية نمط تدبير، إما أن يُراجع بجرأة وحزم، أو أن تستمر السنوات العجاف، ويظل المواطن يدفع ثمن إدارة فقدت بوصلتها، ونسيت أن وجودها مرتبط بخدمة الناس، لا بإرهاقهم.
تعليقات الزوار