شفشاون: دوار لبيار بتمورت يعيش عزلة قاسية بعد انهيار المنازل وغياب التدخل

هبة زووم – حسن لعشير
يعيش دوار لبيار، التابع لجماعة تمورت بإقليم شفشاون، مأساة إنسانية حقيقية منذ أسابيع، بعد أن تسببت التساقطات المطرية الغزيرة والاستثنائية في انهيار عدد من المنازل، وتشريد أسر بأكملها، وتحويل المدشر إلى منطقة منكوبة تعيش عزلة خانقة في ظل غياب أي تدخل فعلي ينقذ الساكنة من وضع يزداد سوءًا يوماً بعد آخر.
لم تكن الأمطار التي شهدتها المنطقة مجرد تساقطات موسمية عادية، بل كانت غزيرة ومتواصلة، ما كشف هشاشة البنية العمرانية للدوار، حيث شُيّدت أغلب المنازل بوسائل تقليدية فوق منحدر جبلي شديد الانحدار، ومع تشبع التربة بالمياه، لم تصمد بعض البيوت طويلًا، فانهارت فجأة، مخلفة صدمة قوية وسط الساكنة.
وفي تصريح لجريدة هبة زووم، أكد أحد رجال التعليم بالمنطقة أن “انهيار المنازل لم يكن خسارة مادية فقط، بل صدمة نفسية عميقة، لأن البيت في هذه المناطق يمثل ثمرة سنوات من الكدّ والحرمان، وضمانة الاستقرار الوحيدة في مواجهة الفقر والهشاشة”.
عقب هذه الانهيارات، وجدت عشرات الأسر نفسها دون مأوى. بعضهم لجأ إلى بيوت الأقارب في ظروف اكتظاظ قاسية، فيما اضطر آخرون إلى الإقامة في براريك قصديرية قديمة، لا تقيهم برد الجبال ولا أمطارها، وتفتقر لأبسط شروط السلامة الصحية.
وتزداد المعاناة حدة بالنظر إلى أن هذه الأسر تعيش أصلاً في وضعية هشاشة اقتصادية، وتعتمد على أنشطة فلاحية بسيطة أو أعمال موسمية غير مستقرة. اليوم، لم تعد معاناتها مقتصرة على ضيق ذات اليد، بل أضيف إليها فقدان السكن، وانعدام الإحساس بالأمان، والخوف الدائم من تكرار الانهيارات مع كل تساقط مطري جديد.
وأوضح المصدر ذاته أن الدوار يقع أسفل منحدر حاد تعلوه منطقة غابوية كانت تشكل، إلى وقت قريب، حاجزًا طبيعيًا يحد من انجراف التربة ويخفف من قوة السيول.
غير أن الغطاء الغابوي عرف تدهورًا مقلقًا خلال السنوات الأخيرة بسبب التعشيب الجائر والاستغلال غير المنظم، في ظل غياب شبه تام للمراقبة وإعادة التشجير.
هذا الإهمال البيئي جعل التربة عارية وسريعة الانجراف، ما يفسر حجم الأضرار الكبيرة التي خلفتها أمطار هذا الموسم، ويؤكد أن الكارثة ليست طبيعية فقط، بل نتيجة تراكم سنوات من غياب السياسات الوقائية.
وكأن المأساة لم تكتمل، فقد ظلت الطريق الوحيدة المؤدية إلى المدشر مقطوعة إلى حدود كتابة هذه الأسطر، بسبب الانجرافات التي لحقت بها، ما حوّل الدوار إلى منطقة معزولة تمامًا، يصعب الوصول إليها أو إيصال أي مساعدة عاجلة.
هذه العزلة جعلت من الحصول على الحاجيات الأساسية، أو نقل المرضى، أو حتى إيصال نداءات الاستغاثة، مهمة شبه مستحيلة، في وقت تتعمق فيه معاناة الساكنة ويتكرس شعورها بالنسيان.
وبحسب شهادات متطابقة من السكان، لم يُسجل أي حضور فعلي لمسؤولين أو لجان رسمية لتقييم الأضرار، باستثناء زيارة يتيمة لقائد المنطقة وبعض أعوانه، لم يتمكنوا من الوصول إلى عين المكان، أما المساعدات، فاقتصرت على توزيع قفة غذائية بشكل انتقائي، لم تشمل جميع المتضررين، ما خلف إحساسًا قويًا بالحيف والإقصاء.
اليوم، لا تطالب ساكنة دوار لبيار بالمستحيل، بل بتدخل عاجل يوفر دعماً مادياً ومعنوياً، ويضمن إعادة إيواء الأسر المتضررة في ظروف تحفظ كرامتها، وتحميها من أخطار البرد والأمطار والانهيارات المتكررة.
كما تدعو إلى حلول جذرية على المدى المتوسط والبعيد، تشمل فتح الطريق وفك العزلة، وتأهيل المنحدر، وإعادة الاعتبار للغطاء الغابوي، حتى لا تتحول كل موجة مطرية مقبلة إلى تهديد جديد لحياة السكان.
وتطرح هذه المأساة أيضًا سؤال العدالة المجالية، خاصة في ظل استفادة أقاليم أخرى من برامج الدعم المخصصة للمتضررين من الكوارث الطبيعية، مقابل استثناء إقليم شفشاون، رغم حجم الأضرار المسجلة، وهو ما يفاقم شعور الساكنة بالحيف، ويقوض الثقة في السياسات العمومية الموجهة للمناطق الجبلية الهشة.
فما يحدث اليوم في دوار لبيار ليس حادثًا معزولًا، بل مرآة لوضع أوسع تعيشه قرى جبلية كثيرة، حيث تتقاطع الهشاشة الاجتماعية مع الإهمال البيئي وضعف التدخل العمومي، ليظل الضحايا دائمًا هم البسطاء، الذين لا يملكون سوى الصبر وانتظار الفرج.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد