هبة زووم – طه المنفلوطي
لم يعد الحديث في حاضرة المحيط يدور حول معاناة السكان المتضررين من الفيضانات، ولا حول سرعة إنجاز أشغال إعادة التأهيل، بل تحول إلى “حرب إلكترونية” غير مسبوقة يشنها أحد نواب رئيس المجلس الجماعي بآسفي، عبر “كتائب رقمية” مُنظَّمة، تستهدف السلطات الإقليمية في محاولة واضحة للتأثير على تدبير ملف حساس رُصد له غلاف مالي يناهز 19 مليار سنتيم (190 مليون درهم).
وتكشف مصادر مطلعة أن النائب المذكور أسس، منذ عدة أشهر، شبكات إلكترونية شغلها الوحيد “مهاجمة كل من خولت له نفسه مهاجمة السيد النائب أو المساس بمصالحه”، في نموذج خطير لتوظيف الفضاء الرقمي ليس للنقاش العمومي، بل لـ”تصفية الحسابات” و”ترهيب الخصوم”.
واليوم، تُستخدم هذه الآلة الإعلامية الجديدة لتحقيق هدف أخطر: إحراج السلطات الإقليمية ودفعها للتخلي عن الإشراف المباشر على مشروع تأهيل المناطق المتضررة، وترك “الكعكة” للمجلس الجماعي لتدبيرها “بطرقه الخاصة”.
لا يخفى على المتتبعين أن مشروع إعادة تأهيل المناطق المتضررة من الفيضانات بحاضرة المحيط يمثل أحد أهم الملفات التنموية بالإقليم، ليس فقط لحجم الاعتمادات المالية المرصودة، بل لأثره المباشر على حياة آلاف الأسر التي فقدت منازلها ومصادر رزقها.
وفي ظل هذه الأهمية، اختارت العمالة الإشراف المباشر على الدراسات وتتبع إنجاز الأشغال، في خطوة تُفسر على أنها رغبة في ضمان الشفافية والنجاعة، بعيداً عن “أساليب التدبير السابقة” المرتبطة بـ”سندات الطلب” والممارسات التي لطالما شابت تدبير الصفقات العمومية محلياً.
لكن هذا الخيار، وفق متتبعين، “لم يرق لبعض اللوبيات” التي كانت تراهن على تدبير هذه الاعتمادات وفق منطق “المحسوبية” و”الصفقات المبطنة”.
والسؤال الجوهري: لماذا هذا الهجوم المستميت على إشراف العمالة؟ وهل يُعقل أن يكون الدافع “مصلحة عامة”، بينما تُستخدم أدوات “التشهير الرقمي” و”الهجوم المنظم” كسلاح في المعركة؟
ومن أكثر ما يثير الاستغراب في هذه الأزمة، هو اللجوء المزعوم إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى هجومي يومي، دون أدنى احترام للضوابط المهنية أو أسس الكتابة الصحفية.
فبدل استخدام التكنولوجيا لتعزيز الشفافية أو تبسيط المعلومة للمواطن، تُوظف لـ”تزوير الرأي العام” و”نشر الأكاذيب” باسم “النقد” و”حرية التعبير”.
هذه الممارسة لا تعكس فقط “مستوى الاحتقان” الذي بلغه الصراع داخل المشهد المحلي بآسفي، بل تُطرح كسابقة خطيرة في توظيف التقنيات الحديثة لأغراض غير أخلاقية.
والسؤال المحرج: من يموّل هذه “الحرب الإلكترونية”؟ وأي “مسؤولية” هذه التي تسمح بتحويل الفضاء الرقمي إلى “ساحة قذرة” لتصفية الحسابات؟
وفي خضم هذا الضجيج، يُذكّر فاعلون محليون بأن “الاعتقاد بغياب مؤسسات الدولة وأجهزتها الرقابية عما يجري في الكواليس هو رهان خاسر”، خاصة في ظل الدينامية الوطنية المتواصلة لترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالمغرب اليوم ليس كما كان بالأمس: هناك هيئات رقابية مستقلة، هناك قضاء إداري يتعزز استقلاليته، هناك مجتمع مدني يقظ، وهناك إعلام حر قادر على كشف المستور.
وبالتالي، فإن أي محاولة لـ”التهرب من الرقابة” عبر “الحرب الإلكترونية” أو “الضغط على السلطات” محكوم عليها بالفشل، لأن قواعد اللعبة تغيرت: الشفافية لم تعد خياراً، والمحاسبة لم تعد تهديداً، والمواطن لم يعد “متفرجاً”.
اليوم، لم يعد مقبولاً أن يُدار ملف حساس كإعادة إعمار المناطق المتضررة من الفيضانات في ظل “ضجيج إلكتروني” يهدف إلى تشويش الرأي العام والضغط على صناع القرار.
فما يحتاجه المواطنون بآسفي اليوم هو: إعلان شفاف عن آلية تدبير الاعتمادات المرصودة (19 مليار سنتيم)، مع نشر جداول زمنية واضحة لأشغال التأهيل، إشراك فعلي للمجتمع المدني والفاعلين المحليين في مراقبة إنجاز الأشغال، عبر لجان تتبع مستقلة، وقف فوري للحملات الإلكترونية المأجورة أو المنحازة، ومحاسبة من يثبت تورطه في التشهير أو نشر الأكاذيب، ضمان حياد الفضاء الرقمي، عبر تفعيل القوانين المنظمة للنشر الإلكتروني ومعاقبة من يستغلونه لأغراض غير مشروعة، مع تعزيز دور الإعلام المهني في تغطية الملف، بدلاً من ترك الساحة لـ”مدونين مأجورين” أو “حسابات وهمية”.
ما يحدث بآسفي ليس “خلافاً إجرائياً عابراً”، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة المحلية وقدرة المؤسسات على تدبير الملفات الحساسة بعيداً عن “لوبيات النفوذ” و”الحروب الإلكترونية”.
فإما أن تنتصر منطق الشفافية والمحاسبة، فيُدار ملف التأهيل بمهنية وحياد، ويُوضع حد لـ”الكتائب الإلكترونية” التي تزيّف الرأي العام، وإما أن يستمر “صراع النفوذ” الذي يُهدد ليس فقط نجاعة الأشغال، بل ثقة المواطنين في مؤسساتهم.
السكان المتضررون ينتظرون. والمواطنون يراقبون، فإما حوكمة تُنقذ الملف من “اللوبيات”، وإما استمرار في “الفوضى الرقمية” التي تحول إعادة الإعمار إلى “كعكة” يتصارع عليها الأقوياء.
تعليقات الزوار