شفشاون: فيضانات أغبالو تُشعل احتجاجات الساكنة والسلطات تمنع تجمع المتضررين

هبة زووم – حسن لعشير
عاش دوار أغبالو، التابع ترابياً لجماعة تنقوب بإقليم شفشاون، أول أمس الجمعة، مشهداً غير مسبوق: ساكنة منهكة بفيضانات دمرت منازلها، انقطعت عنها الكهرباء لأيام، وتُركت لمصيرها دون استجابة عاجلة، فقررت أن “تقطع الطريق” لأنها لم تجد من يقطع لها “سلسلة الإهمال”.
في مفارقة مؤلمة، بينما جرفت السيول ممتلكات المواطنين، قررت “السلطات” جرف حقهم في التنظيم والتعبير، بمنع انعقاد الجمع العام التأسيسي للتنسيقية الإقليمية لدعم المتضررين من الاضطرابات المناخية، مشهدان يعكسان أزمة عميقة: أزمة ثقة بين المواطن والسلطات، وأزمة تدبير بين الكارثة والاستجابة.
ولا تُعد فيضانات أغبالو مجرد “حدث مناخي عابر”، إنها كاشف لواقع مرير: بنية تحتية هشة، غياب لصيانة المسالك، تأخر في التدخلات الاستعجالية، وصمت رسمي يُفسره السكان كـ”لامبالاة مُبرمجة”.
هذا التباين الصارخ يطرح سؤالاً وجودياً: لماذا تنتظر الساكنة كارثة طبيعية لتُسمع صوتها، ولماذا لا تجد استجابة عاجلة بعد الكارثة؟
تأتي هذه الخطوة، حسب إفادات الساكنة المتضررة، للمطالبة بضرورة التدخل العاجل لإصلاح الأعطاب التي طالت شبكة الكهرباء، وفتح حوار مؤسساتي يفضي إلى إيجاد حلول واقعية قادرة على تحسين الأوضاع المعيشية وجبر الضرر الناجم عن الاضطرابات المناخية.
وقال أحد المحتجين في تصريح ميداني: “نحن لا نطلب المستحيل، نطلب فقط إعادة الكهرباء بشكل مستقر، وإصلاح الطرق لنتمكن من جلب المواد الضرورية، ومساعدة عاجلة للأسر التي فقدت كل شيء”.
وفي سياق متصل، أكدت فعاليات من المجتمع المدني بالإقليم على مشروعية المطالب الاجتماعية للسكان، مشددة في الوقت نفسه على أن “الحوار البناء والتضامن الاجتماعي” هما السبيلان الأنجع لمعالجة ما دمرته السيول الجارفة.
لكن في نفس الوقت، حذرت هذه الفعاليات من أن اللجوء إلى قطع الطرقات قد ينعكس سلباً على مصالح المواطنين العامة، معربة عن ثقتها في قدرة السلطات المحلية والمنتخبة على التفاعل الإيجابي مع انتظارات المتضررين بما يضمن الاستقرار الاجتماعي.
وعلى صعيد آخر، لم ترخص السلطات المحلية بمدينة شفشاون لانعقاد الجمع العام التأسيسي لـ”التنسيقية الإقليمية لدعم المتضررين من الاضطرابات المناخية”، والذي كان مبرمجاً الأحد بمقر إحدى الهيئات النقابية.
وأفاد بلاغ للجنة التحضيرية بأن إدارة المقر النقابي توصلت بقرار منع مكتوب يحول دون تنظيم هذا التجمع. واعتبرت اللجنة في بلاغها أن هذا القرار يشكل “تضييقاً على العمل المدني”، مؤكدة في الوقت ذاته تشبثها بمواصلة الترافع عن قضايا المتضررين وفق الضوابط القانونية المعمول بها وفي احترام تام لمؤسسات الدولة، وبروح من المسؤولية الوطنية.
أمام هذه الوضعية المتوترة، تبرز مجموعة من الأسئلة المشروعة التي تستدعي إجابات شافية: أولاً، ما هي الخطة الاستعجالية المعتمدة لإصلاح المنازل المدمرة والمسالك المنهارة بأغبالو؟ ثانياً، لماذا استمر انقطاع الكهرباء لأيام دون تدخل حاسم لإعادة الخدمة للسكان؟ ثالثاً، ما هي المبررات القانونية الدقيقة لمنع الجمع العام التأسيسي للتنسيقية؟ رابعاً، كيف تضمن السلطات التوفيق بين “ضبط النظام” و”احترام الحريات الدستورية”؟ خامساً، متى سيتم فتح حوار حقيقي مع المتضررين لتحديد آليات التعويض وإعادة الإعمار؟
في النهاية، لم تعد قضية متضرري فيضانات شفشاون مجرد “أخبار محلية”. إنها اختبار حقيقي لقدرة الدولة على التوفيق بين ثلاثية صعبة: جبر الضرر، احترام الحريات، وضبط النظام العام.
فإذا كانت السلطات جادة في استعادة الثقة، فلا بد من خطوات ملموسة: فتح حوار عاجل وشامل مع ساكنة أغبالو لتحديد خطة استعجالية لجبر الأضرار، ومراجعة قرار منع الجمع العام والبحث عن صيغة توفيقية تحترم الحق الدستوري في التنظيم، وتعزيز آليات التواصل الاستباقي مع الساكنة لمنع تحول الاحتجاج السلمي إلى تصعيد غير محسوب، مع إشراك المجتمع المدني في وضع حلول تشاركية مستدامة للمنطقة. والشفافية في التدبير لضمان ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
مواطن شفشاون لا يحتاج إلى وعود. يحتاج إلى كهرباء مستقرة، وطريق آمن، وحقاً في التعبير عن معاناته دون خوف من المنع، فإما حوار شجاع يُعيد الثقة بين المواطن والدولة، وإما استمرار في المنع الذي يُعمق الشعور بالتهميش ويُهدد بتصعيد لا تُحمد عقباه، والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الشجاعة ليقول: كفى لتهميش حقوق المتضررين.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد