هبة زووم – أبو العلا العطاوي
عاد ملف الأراضي السلالية بإقليم الرشيدية إلى واجهة النقاش العمومي، وسط تصاعد مطالب فاعلين حقوقيين ومدنيين بفتح تحقيق شفاف وجدي حول طرق تدبير واستغلال ما يُعرف بأراضي الجموع، في ظل اتهامات متداولة بوجود اختلالات خطيرة واستفادة غير مشروعة من عقارات يفترض أنها ملك جماعي مخصص حصريًا لذوي الحقوق من أبناء الجماعات السلالية.
ويؤكد متابعون للشأن المحلي أن هذا الملف ظل، لسنوات طويلة، منطقة رمادية محاطة بالصمت والتواطؤ، خاصة مع الارتفاع المتزايد للقيمة العقارية للأراضي السلالية، واتساع شهية الاستثمار والمشاريع العمرانية بالإقليم.
غير أن ما كان يُفترض أن يشكل رافعة للتنمية المحلية، تحوّل في حالات عديدة إلى بوابة للإثراء السريع وحرمان السلاليين من أبسط حقوقهم.
من الحماية إلى التفريط.. حين يصبح ممثل الجموع “خيال مآتة”
الأكثر إثارة للقلق، حسب شهادات متطابقة، هو ما عرفته جماعات بودنيب والخنك ومدغرة، حيث تحوّل بعض ممثلي أراضي الجموع – المفترض فيهم حماية الملك الجماعي – إلى مجرد واجهة شكلية، أو ما يشبه “خيال مآتة”، في وقت جرى فيه تفويت أو استغلال آلاف الهكتارات، تارة تحت غطاء الاستثمار، وتارة باسم الفلاحة.
النتيجة، كما يصفها فاعلون محليون، كانت كارثية: لا استثمارات حقيقية خلقت الثروة أو فرص الشغل، ولا مشاريع فلاحية ظهرت إلى الوجود، ولا ذوو الحقوق استفادوا من أراضيهم أو من عائداتها.
بل إن كثيرًا منهم وجد نفسه في وضع أسوأ: بلا أرض، بلا تعويض، وبلا تنمية، في تناقض صارخ مع الوعود الرسمية التي رُوّج لها في مناسبات سابقة، والتي تحدثت عن عائدات التفويتات وعن “تنمية ستعود بالنفع على السلاليين”.
أسئلة محرجة ومسؤوليات مؤجلة
هذا الوضع يطرح أسئلة ثقيلة لا يمكن القفز عليها: من سهّل هذه التفويتات؟ ومن راقب مساراتها القانونية؟ وأين ذهبت عائداتها؟ وكيف تحوّل بعض المتدخلين في هذا الملف، من موظفين وممثلين محليين، إلى أصحاب ثروات مفاجئة، في غفلة من آليات المراقبة؟
أمام هذا الواقع، تتجه الأنظار اليوم إلى سعيد زنيبر، والي جهة درعة تافيلالت، وسط تساؤلات صريحة حول مدى استعداده لفتح هذا الملف الشائك، الذي يصفه متابعون بـ”عش الدبابير”، وترتيب المسؤوليات دون انتقائية أو حماية غير مبررة لأي طرف.
بين دولة الحق.. ومنطق الإفلات من المحاسبة
إن الحديث عن إصلاح حقيقي لمنظومة تدبير الأراضي السلالية لا يمكن أن يستقيم دون تفعيل صارم لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان الشفافية في كل ما يتعلق بالتفويتات، والاستثمارات، وتمثيلية ذوي الحقوق.
فالأراضي السلالية ليست غنيمة انتخابية، ولا رصيدًا للاستثمار الخاص المقنّع، بل ملك جماعي تحكمه قوانين واضحة، وروح دستورية تجعل من السلاليين أصحاب الحق الأصيل.
ويبقى السؤال الجوهري الذي يتردد بقوة في الرشيدية اليوم: هل سيتم فتح تحقيق حقيقي يعيد الاعتبار للملك الجماعي وذوي الحقوق؟ أم أن ملف الأراضي السلالية سيظل مؤجلًا، إلى أن تنفجر تبعاته اجتماعيًا وقانونيًا؟
تعليقات الزوار