من “لجنة التسيير” إلى “المسار البرلماني”.. قراءة في خلفيات تراجع الحكومة عن مرسوم الصحافة

هبة زووم – الرباط
في خطوة قد تُقرأ كتحول نوعي في تدبير ملف الإعلام بالمغرب، كشف محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، عن الخلفيات الحقيقية وراء سحب مشروع مرسوم بقانون يتعلق بإحداث لجنة خاصة لتسيير شؤون الصحافة والنشر، مفضلاً العودة إلى المسار التشريعي العادي رغم ما يستغرقه من وقت.
وجاءت تصريحات الوزير، يوم أمس الخميس خلال ندوة صحفية بالرباط، لتفكك عقدة كانت قد أثارت جدلاً واسعاً بين المهنيين، حيث أكد أن اللجوء إلى مرسوم بقانون لم يعد ضرورة ملحة في ملف يبدو حله غير بعيد، مشدداً على أن الأولوية القصوى تكمن في ضمان استمرار مرفق الإدارة على مستوى المجلس الوطني للصحافة، دون الحاجة إلى مساطر استثنائية قد تُفسر على أنها وصاية إدارية على القطاع.
معضلة الوقت مقابل الشرعية
ورغم أن الحكومة كانت قد لجأت في البداية إلى خيار مرسوم بقانون، في فترة تشهد توقف البرلمان بعد انتهاء الدورة الخريفية، بغرض إنهاء الشلل الذي أصاب مؤسسة المجلس الوطني للصحافة، فإن المعادلة تغيرت في اللحظات الأخيرة.
وبرر بنسعيد هذا التراجع بأن “انتظار خمسة أشهر أهون بكثير من الذهاب في اتجاه مرسوم بقانون”، خاصة وأن الدورة البرلمانية الربيعية باتت على الأبواب، مما يفتح المجال أمام النواب والمستشارين للنظر في المشروع بصيغته المعدلة، وتقديم تعديلاتهم من أجل المصادقة النهائية عليه وإخراج القانون إلى حيز الوجود في شهر ماي على أكثر تقدير.
ويحمل هذا التبرير في طياته اعترافاً ضمنياً بأن الشرعية الديمقراطية التي يمنحها المسار البرلماني، رغم بطئه النسبي، تفوق بكثير السرعة التي يوفرها المرسوم الحكومي، خاصة في ملف حساس كملف الصحافة والنشر الذي تمس فيه الاستقلالية شغاف القلب الديمقراطي.
أصداء “البيت الداخلي” للحكومة
ولم يخفِ الوزير أن “أموراً حدثت في البيت الداخلي للحكومة”، فرضت التراجع عن خطوة إحداث اللجنة الخاصة للتسيير، في إشارة دبلوماسية إلى مشاورات وضغوطات داخلية قد تكون لعبت دوراً في إعادة توجيه البوصلة نحو المسار التشريعي العادي.
وهذا الاعتراف بـ”دينامية داخلية” غير مرئية يمنح القارئ مفتاحاً لفهم أن القرار لم يكن فردياً، بل نتاج توازنات حكومية رأت أن العودة إلى البرلمان هي الخيار الأقل كلفة سياسياً وإعلامياً.
استجابة لقرار المحكمة الدستورية
ويأتي هذا التحول انسجاماً مع المعطيات الدستورية والقضائية، حيث أوضح بنسعيد أن وزارته نظرت بعمق في المقتضيات التي أقرت المحكمة الدستورية، في قرارها الصادر شهر يناير الماضي، بعدم دستوريتها، وتمت المصادقة على المشروع المعدل في المجلس الحكومي، ليعاود من جديد مسطرة التشريع التي تنطلق من لجنة التعليم والثقافة والاتصال بالغرفة الأولى، قبل المرور إلى غرفة المستشارين.
وهكذا، فإن المشروع لم يعد مجرد إجراء إداري لسد فراغ، بل تحول إلى قانون يخضع للنقاش العمومي والبرلماني، مما يضمن خروج النص النهائي بصيغة تحظى بإجماع أوسع، وتُجنّب القطاع أي هزات قد تؤثر على استقراره في مرحلة حساسة من التحولات الإعلامية والرقمية.
المجلس الوطني للصحافة بين الشلل والإنقاذ
وفي سياق متصل، صادق المجلس الحكومي، أمس، على مشروع القانون رقم 09.26 يتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، بينما تم سحب مشروع المرسوم بقانون رقم 2.26.135 بإحداث لجنة خاصة لتسيير قطاع الصحافة والنشر، في خطوة تروم تعزيز استقلالية المهنة وضمان تنظيم ذاتي ديمقراطي للقطاع، بعيداً عن أي وصاية إدارية قد تُفسر على أنها مساس بحرية التعبير.
ويبدو أن الحكومة قد راهنت على الفترة الانتقالية، رغم طولها المتوقع حتى شهر ماي، ستكون أقل ضرراً من إحداث لجنة تسيير قد تُعتبر خطوة رجعية في مسار استقلالية المهنة، خاصة وأن المجلس الوطني للصحافة يمثل ركيزة أساسية في التنظيم الذاتي الذي كرسه الدستور في فصوله المتعلقة بحرية التعبير.
رهان على الديمقراطية التمثيلية
في المحصلة، يبدو أن اختيار الحكومة للمسار البرلماني العادي، رغم أنه يستغرق وقتاً أطول، يعكس رغبة في تحصين القرار التشريعي بنقاش مؤسساتي شفاف، وإشراك المنتخبين في صياغة مستقبل المهنة الإعلامية، مما يعزز شرعية المجلس الوطني للصحافة كمؤسسة تنظيم ذاتي.
فبدلاً من “حل سريع” قد يترك ندوباً في علاقة الدولة بالمهنة، اختارت الحكومة “حلاً ديمقراطياً” قد يطول قليلاً، لكنه يضمن استقراراً أدوم. والأيام القادمة، وتحديداً شهر ماي، ستكشف عما إذا كان هذا الرهان على الزمن والبرلمان سيؤتي أكله، أم أن الانتظار سيُثقل كاهل القطاع أكثر مما يجب.
لكن الأكيد أن الباب أُغلق أمام المراسيم الاستثنائية، وفُتح أمام النقاش التشريعي، وهو بحد ذاته رسالة طمأنة للمهنيين بأن صوتهم لن يُستبدل بقرار إداري.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد