الدار البيضاء: الهراويين تحت وصاية “الفوضى المنظمة” والعامل الشكاف يتفرج والجماعة تنهار
هبة زووم – أحمد الفيلالي
من يتأمل ما يجري داخل جماعة الهراويين منذ مطلع التسعينيات، يدرك أن الفوضى العمرانية التي تطفو على السطح اليوم ليست حدثاً طارئاً ولا نتيجة صدفة، بل هي حصيلة مسار طويل من سوء التدبير وغياب المحاسبة، شاركت في صناعته السلطات المحلية والمجالس الجماعية المتعاقبة على حد سواء.
فقد تحولت الجماعة، تحت أنظار المسؤولين، إلى مساحة مفتوحة لكل أشكال الخروقات، في غياب تام لرقابة حقيقية تُفترض في أجهزة الدولة والمؤسسات المنتخبة، في مشهد يُعيد إنتاج أسوأ نماذج “التدبير بالفوضى” الذي يُهدد مستقبل الجهة برمتها.
بدل أن يُضبط التوسع العمراني وفق رؤية واضحة تحترم المخطط التوجيهي للتهيئة، تُرك المجال لسنوات طويلة يتشكل بطريقة عشوائية، مما أتاح انتشار المعامل والمستودعات السرية داخل مناطق فلاحية كان يُفترض أن تبقى مصونة ومحفوظة.
وفي ظل هذا الغياب الصارخ للحكامة، نبتت بنايات غير قانونية، وارتفعت هياكل حديدية و”هنكارات” في كل الاتجاهات، بعضها كان يتم تحت جنح الليل، وبعضها الآخر في وضح النهار، دون أن تحرك السلطات ساكناً.
هذا المسار التراكمي لم يحدث بين ليلة وضحاها، إنه نتيجة سياسة “غض الطرف” التي مارستها السلطات المحلية والمجالس المنتخبة، مما حوّل الجماعة من فضاء فلاحي منظم إلى “مغاير علي بابا” تلتقي فيها كل أشكال الخروقات.
تشبه اليوم جماعة الهراويين “مغارة علي بابا” التي تفتح أبوابها لكل من هب ودب: معامل تُبنى دون رخص، مستودعات تُشيد في مناطق فلاحية، هياكل حديدية ترتفع دون احترام لأدنى معايير السلامة، وكل ذلك يتم تحت سمع وبصر من يُفترض أنهم حراس القانون.
والأخطر من ذلك، أن هذه الخروقات لم تعد “فردية” أو “عابرة”، بل تحولت إلى نمط تدبير موازٍ، حيث أصبحت المخالفة “قاعدة” والالتزام “استثناء”، وهذا ما يُفسر صعوبة التدخل اليوم: فبعد تراكم الأخطاء لعقود، صار أي إجراء تصحيحي يواجه مقاومة “الواقع المفروض”
في ظل هذه الفوضى، تتوزع المسؤوليات على أكثر من مستوى، لكن السؤال الجوهري يبقى: أين كانت الرقابة طوال هذه السنوات؟
فالسلطة المحلية مُطالبة بتفعيل آليات المراقبة الزجرية ضد البنايات غير المرخصة، والمجلس الجماعي مُكلف بضبط التوسع العمراني وحماية المجال الفلاحي، والمصالح الخارجية مطالبة بالتدخل لوقف التعديات، والنيابة العامة مسؤولة عن المتابعات القضائية في حق مرتكبي الخروقات العمرانية الجسيمة.
هذا التوزيع للمسؤوليات لا يُعفي أي طرف من واجبه، فحين يتحمل الجميع المسؤولية، لا يتحملها أحد فعلياً.
واليوم، وبعد أن تراكمت الأخطاء وتوسعت رقعة العشوائيات، صار إصلاح الوضع أكثر تعقيداً مما كان عليه قبل عقد أو عقدين، فالمجال الترابي للجماعة أصبح مترهلاً، يعاني من اختلالات واضحة في توزيع الفضاءات، ومن غياب لمناطق منظمة، ومن تضارب في طبيعة الأنشطة بين السكن، والفلاحة، والصناعة، والتخزين.
وكل هذا جرى تحت أعين سلطات كان يفترض فيها حماية المجال، لا تركه ينهار تدريجياً، فالسؤال الذي يفرض نفسه الآن: كيف نخرج من هذا المأزق؟
ينص القانون رقم 12.90 المتعلق بالتحضر، والقانون رقم 25.90 المتعلق بالمحافظات العقارية، على صلاحيات واضحة للسلطات المحلية في مراقبة البناء وزجر المخالفات. كما يُلزم المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير باحترام التوزيع الوظيفي للمجال.
لكن وجود النصوص لا يعني تطبيقها تلقائياً، فحين تُترك القوانين “حبراً على ورق”، بينما الواقع يشهد على فوضى مستحكمة، فإن المصداقية القانونية للدولة تُوضع على المحك.
أمام هذه الوضعية، تبرز مجموعة من الأسئلة المشروعة التي تستدعي إجابات واضحة من السلطات المعنية: أولاً، ما هي التدابير العاجلة المتخذة لوقف الخروقات العمرانية المستمرة بجماعة الهراويين؟ ثانياً، هل تم فتح تحقيقات في المسؤوليات المتراكمة عن هذا الانهيار منذ التسعينيات؟ ثالثاً، ما هي الخطة الاستعجالية لإعادة تنظيم المجال الترابي للجماعة وحماية الأرض الفلاحية المتبقية؟ رابعاً، كيف ستضمن السلطات عدم تكرار نفس الأخطاء في الجماعات المجاورة؟ خامساً، متى سيتم إشراك السكان والمجتمع المدني في وضع رؤية إصلاحية تشاركية؟
في النهاية، لم تعد فوضى الهراويين مجرد “مشكل محلي”، إنها نموذج صارخ لأزمة الحكامة الترابية التي تعاني منها عدة جماعات بالمغرب، حيث تتراكم الخروقات بينما تتفرج السلطات.
فإذا كان عامل الإقليم الشكاف جاد في استعادة هيبة القانون، فلا بد من خطوات حاسمة: حملة ميدانية فورية لإحصاء جميع الخروقات العمرانية وتحرير المحاضر في حق المخالفين، وفتح تحقيق إداري في المسؤوليات المتراكمة عن سوء التدبير منذ التسعينيات، وإطلاق مخطط استعجالي لإعادة تنظيم الجماعة، يحمي الأرض الفلاحية ويضبط الأنشطة الصناعية، وتعزيز آليات الرقابة بالمراقبة المستمرة والتدخل السريع عند أي خرق جديد، وإشراك السكان في وضع رؤية تشاركية لمستقبل الجماعة، لضمان استدامة الإصلاح.
مواطن الهراويين لا يحتاج إلى وعود جديدة. يحتاج إلى سلطة تحمي أرضه، وتضبط عمرانه، وتعيد الكرامة لمجال تُرك ينهار لعقود.
فإما إرادة حقيقية لقطع مسلسل الفوضى، وإما استمرار في “سياسة غض الطرف” التي تُكرس الانهيار وتُهدد مستقبل الجهة، والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الشجاعة ليقول: كفى لفوضى تُضيع مجالنا.