هبة زووم – الرباط
تعاني الرياضة المغربية من داء عضال: هيمنة أفراد يحتفظون بمناصبهم لسنوات طويلة دون إحداث تغييرات تُذكر، في وقت يُفترض أن يكون التجديد والتطوير هما قاعدة أي منظومة رياضية طموحة.
هذه السيطرة المستمرة لا تعيق فقط تطوير القطاع، بل تُحوّل الرياضة من “رسالة وطنية” إلى “ساحة للمصالح”، حيث يحرص المسؤولون على البقاء في مناصبهم بأي ثمن، متجاهلين مصلحة الرياضة الوطنية وطموحات أبنائها.
لا يتعلق الأمر فقط بألعاب القوى، رغم كونها الواجهة الأبرز، ولا بالملاكمة التي كانت يوماً مصدر فخر، ولا حتى بالمصارعة بأنواعها التي أصبحت حلبة للصراعات الشخصية أكثر منها للتنافس الرياضي النزيه.
بل إن كل الفروع الرياضية، من السباحة إلى التايكواندو، من رفع الأثقال إلى الرماية، من الجمباز إلى التنس، تشكو من نفس الداء: رؤساء جامعات يتحلقون حول كراسيهم كما لو كانت عروشاً لا تقبل المداولة.
كأنما الرياضة المغربية لا يمكن أن تنهض إلا بأسمائهم، رغم أن الواقع يثبت، في كل مرة، أن هذه الأسماء ليست سوى عبء ثقيل على طموحات الرياضيين.
شبكات المصالح: حين تتحول الرياضة إلى “واجهة”
الخطير في كل هذا أن هؤلاء الرؤساء لا يديرون فقط شؤون الجامعات، بل يديرون كذلك شبكات معقدة من المصالح المرتبطة بالمقاولات، العتاد الرياضي، مراكز التكوين، وحتى المشاركة في المنافسات الدولية.
بمعنى آخر: هناك مصالح تُنسج بخيوط دقيقة، حيث تصبح الرياضة مجرد واجهة، في حين يتم في الخلف توزيع الغنائم.
هكذا، يُبرمج المعسكر في بلد معين لا لضرورته التقنية، بل لأنه يخدم علاقة تجارية ما. تُمنح الصفقات لأطراف محددة لا لأنها الأكفأ، بل لأنها الأقرب. والرياضي الذي لا يدخل ضمن هذا “التخطيط غير المرئي”، فمصيره النسيان أو التهميش.
ثقافة الإفلات من العقاب: لماذا لا يسقط أحد؟
والغريب أن هؤلاء الرؤساء يُبدون دائماً قدرة عجيبة على الإفلات من المساءلة. حتى حين تتوالى الفضائح، وتُطرح الأسئلة في البرلمان، وتخرج الصحافة بحصيلة هزيلة، لا أحد يجرؤ على المطالبة الصريحة برحيلهم.
بل تُعقد لقاءات تقييمية لا تفضي إلى شيء، وتصدر تقارير “تقنية” لا تسمي الأسماء، ثم تمر العاصفة، فيعود الجميع إلى قواعدهم سالمين، باستثناء أولئك الرياضيين الذين يخسرون أعمارهم، صحتهم، وحلمهم المشروع في تمثيل المغرب بكرامة.
هذا النموذج من “الحصانة الذاتية” يطرح سؤالاً وجودياً: من يحمي هؤلاء الرؤساء؟ هل هي شبكات النفوذ التي بنوها على مدى سنوات؟ هل هو غياب إرادة سياسية حقيقية لإصلاح القطاع؟ هل هو خوف من “فتح ملفات” قد تمس أطرافاً عديدة؟
أيّاً كانت الإجابة، فإن النتيجة واحدة: استمرار نظام يُنتج الإخفاق، ويُكرس الإفلات من المحاسبة.
باريس 2024: فشل أولمبي.. ودليل على فشل النظام
ما نعيشه اليوم من إخفاقات في منافسات الألعاب الأولمبية بباريس، حيث لم يحقق المغرب ولو ميدالية واحدة، مع إقصاء تلو الآخر في كل الرياضات، يؤكد على أن الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب.
فبعد سنوات من الاستثمار في تجهيز الملاعب، استضافة التظاهرات القارية، وبرامج الاستقطاب للاعبين، تبقى الحصيلة الرياضية هزيلة. وهذا لا يعكس فقط “سوء حظ” أو “ظروفاً قاهرة”، بل يُترجم فشلًا بنيوياً في تدبير المنظومة الرياضية برمتها.
والإعلام الرياضي العمومي، الذي كان يُفترض أن يكون رقابة موازية، لم يرقَ بدوره إلى ما يتطلع إليه الشعب المغربي، حيث غابت التغطية المهنية والتحليل النقدي، لتحل محلها “النقل الحرفي” للبيانات الرسمية و”تلميع” الصورة دون مساءلة.
استثمارات ضخمة.. ونتائج متواضعة: أين الخلل؟
على الرغم من الزخم الإعلامي والاستثمار الكبير الذي عرفته الرياضة المغربية في السنوات الأخيرة، إلا أن مؤشرات متزايدة تظهر أن السياسات الرياضية تواجه إخفاقات بنيوية تؤثر على النتائج وعلى مساهمة الرياضة في التنمية.
فبينما يتم تجهيز الملاعب والبنى التحتية، تبقى الصيانة ضعيفة والتدبير غير مستدام. وبينما تُستضاف تظاهرات قارية بتكاليف باهظة، يبقى الإرث التنموي محدوداً.
وبينما تُطلق برامج استقطاب للاعبين، تبقى النتائج فردية بلا استراتيجية شاملة. وبينما يُدعم رؤساء الجامعات الرياضية، يغيب مبدأ المحاسبة ويستمر نفس الوجوه.
هذا التناقض الصارخ يطرح إشكالية جوهرية: لماذا لا تُترجم الاستثمارات إلى نتائج؟ الجواب بسيط ومؤلم: لأن المال يُضخ في “البنى” بينما “البشر” الذين يُفترض أن يُديروها هم أنفسهم جزء من المشكلة.
إما تجديد جذري.. وإما استمرار في الهدر
في النهاية، لم يعد إخفاق الرياضة المغربية مجرد “سوء أداء ظرفي”. إنه عرض لأزمة نظام يُكرس البقاء للأقوى نفوذاً، لا للأكثر كفاءة.
فإذا كانت الدولة جادة في إنقاذ الرياضة الوطنية، فلا بد من خطوات حاسمة: تحديد ولاية زمنية قصوى لرؤساء الجامعات الرياضية، لمنع تحول المناصب إلى “ملكيات خاصة”.
وتفعيل آليات المحاسبة وربط التجديد في المناصب بنتائج ملموسة، لا بعلاقات النفوذ. وإشراك الرياضيين والخبراء المستقلين في تدبير الجامعات، لكسر احتكار “الدوائر الضيقة”.
وتعزيز شفافية الصفقات والمعسكرات، لمنع استغلال الرياضة كـ”واجهة” لمصالح خاصة، وإصلاح الإعلام الرياضي العمومي ليكون رقابة فاعلة، لا مجرد ناقل للبيانات الرسمية.
الرياضي المغربي لا يحتاج إلى وعود جديدة، يحتاج إلى نظام يُكافئ الكفاءة، ويُحاسب التقصير، ويُعيد الكرامة لمن يضحّي من أجل رفع علم الوطن.
فإما إصلاح جذري يُنقذ الرياضة من “وصاية الأبد”، وإما استمرار في الهدر الذي يُضيع طاقات الشباب ويُهدر المال العام. والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الشجاعة ليقول: كفى لرياضة المصالح الضيقة.
تعليقات الزوار