من تزكية الأحرار إلى الاستقلال.. استقالة حمية تُسقط مقعد وادي الذهب وتفتح أبواب التأويل

هبة زووم – علال الصحراوي
لم تكن استقالة البرلماني امبارك حمية من عضوية مجلس النواب مجرد إجراء إداري عابر، بعدما تحولت في ظرف أسابيع قليلة إلى محطة سياسية لافتة تعيد خلط أوراق المشهد الانتخابي بدائرة وادي الذهب، خصوصاً أن الرجل الذي كان إلى وقت قريب اسماً بارزاً داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، انتقل إلى حزب الاستقلال في لحظة سياسية لا تخلو من الدلالات.
فقد أعلنت المحكمة الدستورية، بموجب قرار صادر بتاريخ 5 غشت 2026، شغور المقعد النيابي الذي كان يشغله حمية ممثلاً لدائرة وادي الذهب، وذلك عقب تقديمه استقالته من عضوية مجلس النواب.
وجاء القرار بناء على رسالة وجهها رئيس مجلس النواب إلى المحكمة الدستورية بتاريخ 3 غشت الجاري، لإشعارها باستقالة حمية، بعدما كان الأخير قد تقدم بها في اليوم نفسه، قبل أن يعاينها مكتب مجلس النواب خلال اجتماعه المنعقد بالتاريخ ذاته.
وأوضحت المحكمة الدستورية أن الاستقالة قدمت بعد اختتام الدورة الثانية من السنة التشريعية، التي انتهت أشغالها في 13 يوليوز الماضي، وهو ما جعل إحالتها على المحكمة تتم داخل الآجال القانونية المحددة في النظام الداخلي لمجلس النواب.
وبعد دراسة الملف والمداولة بشأنه، خلصت المحكمة إلى استيفاء الاستقالة للشروط القانونية، لتقضي رسمياً بشغور المقعد النيابي الذي كان يشغله امبارك حمية عن دائرة وادي الذهب.
لكن خلف الخبر القانوني البارد، توجد قصة سياسية أكثر سخونة، فحمية لم يكن مجرد برلماني يغادر المؤسسة التشريعية في نهاية ولاية عادية، بل كان، إلى وقت قريب، واحداً من الأسماء التي راهن عليها حزب التجمع الوطني للأحرار في الاستحقاقات التشريعية المقبلة بدائرة وادي الذهب.
ففي يونيو الماضي، أعلن الحزب تزكيته لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة بالدائرة نفسها، قبل أن تنقلب المعادلة سريعاً، ويلتحق حمية بحزب الاستقلال.
وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف انتقل الرجل من مرشح مزكى باسم “الحمامة” إلى وافد على “الميزان” في ظرف وجيز؟ والأكثر إثارة أن حمية كان، قبل أسبوعين فقط من استقالته، حاضراً في تجمع خطابي لحزب التجمع الوطني للأحرار بمدينة الداخلة، حضره رئيس الحكومة عزيز أخنوش.
وخلال ذلك التجمع، لم يكتف حمية بالحضور، بل أثنى في مداخلته على العمل الحكومي الذي يقوده أخنوش، مستعرضاً ما اعتبره منجزات وحصيلة إيجابية للحكومة، مشهد سياسي كامل، لم تمض عليه سوى أسابيع، قبل أن يجد صاحبه نفسه خارج سفينة “الحمامة”، ثم خارج المؤسسة التشريعية أيضاً.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط باستقالة برلماني من مقعده، وإنما بإعادة ترتيب محتملة للأوراق داخل دائرة وادي الذهب، التي تعد من الدوائر ذات الحساسية السياسية والانتخابية الخاصة، فهل كانت استقالة حمية من البرلمان جزءاً من إعادة تموقع سياسي استعداداً للانتخابات المقبلة؟ أم أن الأمر لا يتجاوز استقالة مرتبطة بانتقاله الحزبي وما يترتب عنه من حسابات انتخابية؟
المؤكد أن شغور المقعد أصبح اليوم حقيقة قانونية ثابتة، لكن الخلفيات السياسية للانتقال من حزب إلى آخر ستظل مفتوحة على أكثر من قراءة”.
ففي زمن أصبحت فيه التزكيات الانتخابية بمثابة العملة الأغلى داخل الأحزاب، لم تعد مغادرة برلماني لحزب بعد حصوله على تزكية مجرد تغيير في بطاقة الانتماء، بل قد تكون مؤشراً على صراع أوسع حول من يمتلك مفاتيح الدائرة ومن يستطيع التحكم في خريطتها الانتخابية.
وإذا كان حمية قد خرج من “الأحرار” والتحق بـ”الاستقلال”، فإن السؤال الأكبر سيبقى معلقاً حول من سيحمل راية كل حزب في وادي الذهب خلال الاستحقاقات المقبلة، ومن يمتلك فعلاً القدرة على تحويل الانتماء الحزبي إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع؟
أما أخنوش، الذي كان قبل أسابيع فقط يستمع إلى مداخلات حمية وهو يدافع عن حصيلة حكومته من منصة التجمع الخطابي بالداخلة، فقد يجد نفسه أمام مشهد سياسي مختلف تماماً عندما تبدأ المعركة الانتخابية فعلياً، فالسياسة، خصوصاً في موسم الانتخابات، لا تعترف كثيراً بثبات المواقف.
وما يبدو اليوم تحالفاً قد يتحول غداً إلى خصومة، وما يبدأ بتزكية حزبية قد ينتهي باستقالة برلمانية، وما يُقال فوق منصة انتخابية أمام رئيس الحكومة قد لا يكون بالضرورة هو نفسه ما سيقال فوق منصة منافسة بعد أسابيع.
وهكذا، يغادر حمية البرلمان، ويترك وراءه مقعداً شاغراً وأسئلة أكثر من الأجوبة، بينما تستعد وادي الذهب لمعركة انتخابية يبدو أن أولى فصولها بدأت قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع.**

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد