هبة زووم – الرباط
في تدوينة اتسمت بالهدوء والوضوح القانوني، دخل الباحث والخبير في حقوق الإنسان أحمد كيكيش على خط الجدل المثار حول وفاة طالب بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، واضعاً النقاش في إطاره الدستوري والحقوقي، بعيداً عن الانفعال أو المزايدات التي تغذيها شبكات التواصل الاجتماعي.
كيكيش انطلق من تشخيص دقيق للمشكلة: ضعف التواصل الرسمي مع الرأي العام، وهو ضعف يفتح الباب، عن قصد أو عن غير قصد، أمام الإشاعة والتأويل والتوظيف السياسي والحقوقي غير المسؤول، وفي قضايا من هذا الحجم والحساسية، لا يكفي الصمت المؤسسي ولا البيانات المقتضبة، لأن الأمر يتعلق بحياة إنسان وبثقة مجتمع.
وفي هذا السياق، يضع الباحث المسؤولية حيث يجب أن تكون: على عاتق رئاسة النيابة العامة، باعتبارها، دستورياً وقانونياً، الجهة المشرفة على البحث القضائي والممثلة للحق العام.
فالأبحاث، كما يذكر كيكيش، لا تسيرها الشرطة القضائية من تلقاء نفسها، بل تتم تحت إشراف وتعليمات النيابة العامة، وهو ما يجعل هذه الأخيرة معنية بشكل مباشر بكشف حقيقة ملابسات الوفاة، في آجال معقولة وبأقصى درجات الشفافية.
المطالبة هنا ليست إدانة مسبقة ولا تشكيكاً في المؤسسات، بل دعوة صريحة إلى تحمّل المسؤولية القانونية كاملة، عبر تسريع الكشف عن الوقائع، وتمكين الرأي العام من معطيات دقيقة، والأهم إقناع عائلة الضحية بأن مطالبها تُؤخذ بجدية وفي إطار دولة القانون، لا بمنطق التعتيم أو التسويف.
ويحذر كيكيش، بوضوح، من كلفة الصمت. فترك المجال فارغاً يعني فسحه أمام من وصفهم بـ”مستغلي الأحداث”، ممن يسعون إلى تلطيخ صورة حقوق الإنسان بالمملكة، وضرب المكتسبات التي راكمها المغرب خلال سنوات، خاصة في مجال محاربة التعذيب وتعزيز ضمانات الحراسة النظرية.
وتكتسي هذه القضية، وفق التدوينة، بعداً إضافياً يتجاوز الحدث ذاته، ذلك أن المغرب مقبل، ابتداءً من مارس 2026، على استقبال المقررة الأممية الخاصة بمناهضة التعذيب، في زيارة تروم الوقوف على أوضاع حقوق الإنسان، لا سيما داخل أماكن الاحتجاز والحراسة النظرية، وأي غموض أو تأخر غير مبرر في معالجة هذا الملف قد يُستحضر دولياً كقرينة سلبية، حتى وإن كانت الوقائع على غير ما يُروّج.
رسالة كيكيش الأساسية واضحة: حماية صورة حقوق الإنسان لا تتم بالإنكار ولا بالصمت، بل بالحقيقة. والدفاع عن المؤسسات لا يكون بتكميم الأسئلة، بل بإجابات قانونية دقيقة، وفي الوقت المناسب. فالثقة لا تُفرض، بل تُبنى، والعدالة التي لا تُرى ولا تُشرح، تظل عدالة ناقصة في نظر الرأي العام.
تعليقات الزوار