الرشيدية: أهرو أبرو يريد إعلاماً “طيعاً” لتجميل وجه تدبير “قبيح” والصفقات المشبوهة تزيد الطين بلة

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
كشفت دورة مارس لمجلس جهة درعة-تافيلالت، التي انعقدت يوم الاثنين الماضي، عن حرب غير مسبوقة يشنها رئيس المجلس، أهرو أبرو، على الإعلام الجهوي، في ممارسة تُعتبر “سابقة خطيرة” في علاقة المؤسسات المنتخبة بالصحافة.
فلم يعد الأمر يتعلق بـ”توتر عابر” أو “سوء تفاهم ظرفي”، بل أصبحنا أمام استراتيجية ممنهجة تهدف إلى “ترويض” الإعلام الجهوي، وتحويله من “شريك في التنمية” إلى “أداة تجميل” لوجه تدبير يصفه النقاد بـ”القبيح”.
وفي تصريح نادر كسر فيه طوق “الصمت المؤسسي”، علق حسن أزواوي، رئيس لجنة دائمة بالمجلس، على هذه الوضعية بقوله بمرارة: “ماعرفت مالنا مع الصحافة والإعلام”، في سؤال بسيط في صيغته، لكنه يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بـ”الشرخ الكبير” الذي كبر مع الوقت بين الصحافة الجهوية ورئاسة مجلس الجهة.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف تحولت علاقة كانت يفترض أن تكون “شراكة استراتيجية” إلى “حرب باردة” في عهد أهرو أبرو؟
لم يكن سؤال أزواوي مجرد “استغراب عابر”، بل كان تشخيصاً قاسياً لواقع مؤلم: إعلام جهوي يُفترض أن يكون “صوت الجهة” و”نافذتها على الرأي العام”، يجد نفسه مُستهدفاً من قبل من يفترض أن يكون شريكه الأول في التنمية.
فبينما تتعامل باقي المجالس الجهوية بالمملكة مع الإعلام كـ”رافعة للترويج” و”أداة للمحاسبة”، يبدو أن رئيس جهة درعة-تافيلالت يختار نهجاً مختلفاً: إعلام “طيع” لا يسأل، لا ينتقد، لا يحاسب، بل يكتفي بـ”النكافة” وتجميل الصورة، كما يشير المتابعون للشأن المحلي بشكل لاذع.
والسؤال المحرج: أي تنمية هذه التي تُبنى على “صمت الإعلام” و”تزييف الصورة”؟ وأي “مسؤولية” هذه التي تخاف من سؤال صحفي بسيط؟
ما يُفاقم من خطورة هذه الوضعية هو أن رئيس الجهة لا يكتفي بـ”تجاهل” الإعلام، بل يسعى إلى تحويله إلى أداة دعائية تخدم صورته الشخصية وتدبيره الذي يتعرض لانتقادات متزايدة.
فبدلاً من اعتماد الشفافية في التعامل مع الصحافيين، وتوفير المعطيات الدقيقة، واختيارهم كشركاء في نقل صوت الجهة، يبدو أن الخيار هو: إعلام يُكافأ على “الولاء” ويُعاقب على “الاستقلالية”.
هذا النهج لا يُهدد فقط حرية الصحافة، بل يُرسل رسالة مسمومة للمواطنين مفادها: “لا تثقوا في إعلامكم الجهوي، لأنه لم يعد حراً”، والسؤال الاستراتيجي: كيف يمكن لمواطن أن يثق في مؤسسة تُقصي من يفترض أن يراقبها؟
لم يأتِ التوتر بين الإعلام ورئاسة الجهة من فراغ، فبينما كان الصحافيون الجهويون ينتظرون من المجلس “دعماً معنوياً ومادياً” كشريك في التنمية، فوجئوا بصفقة مليونية أنجزها الرئيس أهرو أبرو، ومنحها لشركة مقربة من الحزب الحاكم، في عملية تُثير تساؤلات حول شفافية التدبير وعدالة توزيع الصفقات.
هذه “الصفقة المشبوهة”، كما يصفها متتبعون، لم تكن مجرد “عقد إداري”، بل كانت رسالة سياسية واضحة: الأولوية للولاءات الحزبية، لا للكفاءة أو الشفافية، والسؤال الجوهري: لماذا تُمنح صفقة بمليون درهم لشركة مقربة دون منافسة شفافة؟ وأي “حكامة” هذه التي تسمح بتمرير مثل هذه العقود تحت أنظار الإعلام المُقصَى؟
ويكتسي خروج حسن أزواوي، رئيس لجنة دائمة بالمجلس، بهذه النبرة النقدية الحادة، أهمية استثنائية، لأنه يأتي من داخل المؤسسة نفسها، وليس من خارجها، فهذا ليس “هجوماً إعلامياً” تقليدياً، بل هو شهادة من شاهد عيان على ممارسات يُعتبرها “انحرافاً” عن مبادئ الحكامة والشراكة.
وقول الصحافة الجهوية، والتي بالمناسبة قررت مقاطعة الرئيس أهرو أبرو، إن الرئيس يريد إعلاماً “غير صالح سوى للنكافة وتجميل الوجه القبيح لطريقة تسييره”، ليس مجرد “انتقاد لاذع”، بل هو تشخيص لواقع يُهدد مصداقية الجهة برمتها.
وفي ظل هذا المناخ المشحون، يجد الإعلام الجهوي بجهة درعة-تافيلالت نفسه أمام مفترق طرق صعب: إما القبول بدور “المُزوق” الذي يُغض الطرف عن الاختلالات مقابل “فتات الصفقات”، وإما المقاومة والدفاع عن الاستقلالية رغم كل الضغوط والمخاطر.
والسؤال الوجودي: هل سيستسلم الإعلام الجهوي لـ”منطق الترويض”، أم سيوحد صفوفه للدفاع عن حقه في المعلومة وكرامته المهنية؟
ما تعيشه جهة درعة-تافيلالت مع أزمة الإعلام ليس “خلافاً ثانوياً”، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة الجهوية وقدرة الرئيس أهرو أبرو على تجاوز “عقلية الوصاية” لبناء شراكة حقيقية مع الإعلام.
فإما أن تتراجع رئاسة الجهة عن نهج “ترويض الإعلام”، وتفتح أبواب الشفافية، وتُعيد الثقة في المؤسسة، وإما أن تستمر في “حرب باردة” قد تكلف الجهة غالياً: فقدان المصداقية، عزلة إعلامية، وتآكل ثقة المواطنين.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد