هبة زووم – إلياس الراشدي
لم تكن التساقطات المطرية الأخيرة مجرد حدث مناخي عابر على مدينة طنجة، بل تحولت إلى “كاشف قاسٍ” لواقع البنية التحتية بالمدينة، وكشفت الستار عن سوء تدبير صارخ تجلى في أبسط صوره عبر الحفر العميقة التي ظهرت فجأة في الطريق المؤدي إلى مجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة.
فالمشهد الذي بات يراه المارة يومياً، والمُوثق بالصور، لا يعكس فقط إهمالاً في صيانة الطرق، بل يطرح سؤالاً محرجاً حول مصداقية التدبير المحلي الذي يقوده رئيس المجلس منير الليموري، خاصة عندما يتحول الطريق الواقع أمام مقر “صناع القرار الجهوي” إلى مسار وعِر يُهدد سلامة المواطنين والمركبات.
وتكتسي الفضيحة بعداً رمزياً خطيراً عندما نربط بين حالة الطريق وهوية المكان؛ فليس معقولاً أن يكون المقر الذي يجلس فيه أعضاء المجلس الجهوي، ويُتخذ فيه قرارات تدبير الشأن الترابي لجهة من حجم طنجة الحسيمة تطوان، مطلاً على طريق تعاني من الحفر والتدهور الواضح.
هذا التناقض الصارخ بين “فخامة المقر” و”رداءة الطريق” يُرسل رسالة سلبية للمواطنين مفادها أن الاهتمام ينحصر في “الواجهات المغلقة”، بينما تُهمل “الفضاءات العمومية” التي يشاركهم فيها المواطنون.
فإذا كان المجلس الجهوي، الذي يفترض أن يكون قدوة في التدبير والرقابة على الجماعات الترابية، عاجزاً عن ضمان طريق سليمة أمام بابه الرئيسي، فكيف يمكنه أن يحاسب الجماعات على تدبيرها للطرق داخل نفوذها؟ وأي “مصداقية” هذه التي تسمح ببقاء “عتبة السلطة” في هذه الحالة المُزرية؟
إن ظهور الحفر العميقة بمجرد تساقط الأمطار لا يُعد أمراً طبيعياً في المدن التي تحترم معايير الهندسة الطرقية، بل هو دليل قاطع على رداءة الأشغال أو غياب الصيانة الدورية.
فالطريق السليمة يجب أن تصمد أمام التقلبات الجوية، أما أن تتحول إلى “مصيدة” مع أول موسم مطري، فهذا يشير إلى وجود خلل في جودة الإنجاز أو في مواد البناء المستخدمة.
هذا الوضع يطرح تساؤلات حول مصير الملايير التي تُصرف على صيانة الطرق بمدينة طنجة؛ هل تُصرف في مكانها الصحيح؟ أم أنها تذهب أدراج الرياح بينما تبقى الحفر تحكم الشوارع؟ فتحول المطر من “نعمة” إلى “كاشف للفساد التقني” هو أمر لا يجب السكوت عنه، خاصة عندما يتعلق الأمر بسلامة المواطنين الذين يدفعون ثمن الإهمال بأضرار مادية وبشرية.
وإذا كان حال الطريق الذي يقع أمام مجلس الجهة، كما تبين الصور، في هذا المستوى من التدهور، فإن السؤال الأكثر إفزاعاً يبقى معلقاً: كيف هي أحوال باقي طرق المدينة التي عرتها وكشفت سوء جودتها الأمطار؟
فإذا كانت “الواجهة” التي يراها المسؤولون يومياً عند دخولهم وخروجهم من مقراتهم مهملة إلى هذا الحد، فمن المنطقي أن تكون الأحياء النائية والشعبية، التي لا يطؤها قدم المسؤول إلا في المواسم الانتخابية، في وضع كارثي لا يُطاق.
قاعدة “الإسقاط” هنا لا ترحم؛ فإهمال “الخاص” (طريق المجلس) يدل حتماً على إهمال “العام” (طرق المدينة)، مما يُعمق شعور الساكنة بالتهميش ويفقد الثقة في وعود الإصلاح.
في خضم هذا الوضع، يبرز اسم رئيس المجلس وعمدة المدينة منير الليموري كطرف مسؤول مباشرة عن هذا التدبير، خاصة وأن الطريق تقع ضمن النفوذ الترابي الذي يديره مجلسه أو يتأثر به مباشرة، والصمت تجاه هذه الحفر لا يُفسر إلا بـ”اللامبالاة” أو “الانشغال بملفات أخرى” على حساب هموم المواطنين اليومية.
فأي “تنمية محلية” هذه التي تُعلن عن مشاريع كبرى بينما تعجز عن إصلاح حفرة أمام مقرها؟ وأي “قرب من المواطن” هذا الذي يتجاهل أدنى شروط السلامة في الطريق المؤدي إلى ممثليه؟ واستمرار هذا الوضع لا يُهدد فقط صورة المدينة السياحية، بل يُهدر ثقة المواطنين في قدرة المؤسسات المنتخبة على تدبير أبسط الملفات الحياتية.
في الأخير، يمكن القول بدون مواربة على أن ما تعيشه طنجة مع قضية الحفر أمام مجلس الجهة ليس حدثاً عابراً، بل هو اختبار حقيقي لإرادة الإصلاح، فإما أن يتحرك مجلس المدينة بسرعة قياسية لإصلاح هذا الطريق، كنموذج رمزي لبدء إصلاح شامل لباقي طرق المدينة، وإما أن يستمر الوضع على ما هو عليه، مما يؤكد أن “سوء التدبير” أصبح سمة ملازمة للمرحلة.
تعليقات الزوار