هبة زووم – تارودانت
أعلنت الجهات المعنية عن تخصيص غلاف مالي يناهز 40.275 مليون درهم لترميم وإعادة تأهيل أسوار مدينة تارودانت التاريخية، التي تعرضت لأضرار عقب زلزال الحوز 2023.
ورغم أهمية هذا المشروع في حماية أحد أبرز المعالم العمرانية بالمغرب، فإن حجم الاعتمادات المالية المرصودة يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول شروط الحكامة والشفافية وضمان جودة الأشغال.
المشروع، الذي يندرج ضمن برنامج يهدف إلى صون التراث وتعزيز الجاذبية السياحية للمدينة، يقسم إلى حصتين رئيسيتين. الأولى تشمل المقطع الممتد بين باب السلسلة وباب تارغونت مروراً برحال المسكيني في اتجاه باب أولاد بونونة، بطول يصل إلى 4580 متراً وبتكلفة تناهز 23.635 مليون درهم.
أما الحصة الثانية فتهم المقطع المؤدي إلى باب الزركان بطول 4054 متراً وبتكلفة تفوق 16.589 مليون درهم، مع تحديد مدة إنجاز الأشغال في عشرة أشهر لكل حصة.
ورغم الأهداف المعلنة للمشروع، والمتمثلة في إعادة التأهيل الهيكلي والجمالي للأسوار والأبواب التاريخية باستعمال مواد وتقنيات تقليدية تحافظ على الطابع المعماري الأصلي، فإن تجارب سابقة في عدد من المدن المغربية تجعل الرأي العام أكثر حذراً في التعاطي مع مثل هذه المشاريع.
ففي كثير من الحالات، تحولت أوراش الترميم إلى مصدر للجدل بسبب ضعف الجودة أو تأخر الإنجاز أو تضخم الكلفة المالية، وهو ما يجعل السؤال مطروحاً بقوة اليوم: هل سيتم احترام المعايير التقنية الصارمة التي يفرضها ترميم المعالم التاريخية، أم أن المشروع قد يواجه نفس الاختلالات التي رافقت مشاريع أخرى مماثلة؟
المشروع يُنجز تحت إشراف وكالة تنمية الأطلس الكبير ووزارة الشباب والثقافة والتواصل، وبمواكبة عمالة إقليم تارودانت والجماعة الترابية لتارودانت، مع تأطير تقني من المختبر العمومي للتجارب والدراسات.
غير أن تعدد المتدخلين لا يعني بالضرورة نجاح المشروع، بل يضع مسؤولية مضاعفة على كل الأطراف لضمان تنفيذ الأشغال وفق أعلى معايير الجودة والشفافية.
فأسوار تارودانت ليست مجرد جدار تاريخي، بل معلم حضاري يشكل جزءاً من ذاكرة المدينة وهويتها الثقافية، كما يمثل ركيزة أساسية في جاذبيتها السياحية، وأي خلل في عملية الترميم قد يحول المشروع من فرصة لحماية التراث إلى مثال جديد على سوء تدبير المال العام.
وبين الطموح المشروع للحفاظ على هذا المعلم التاريخي والقلق المشروع بشأن جودة التنفيذ، تبقى أعين الساكنة والمتتبعين للشأن المحلي موجهة نحو هذا الورش، في انتظار أن يثبت أن حماية التراث يمكن أن تسير جنباً إلى جنب مع الحكامة الجيدة والإنفاق الرشيد للمال العام.
فترميم أسوار تارودانت ليس مجرد مشروع عمراني، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة المؤسسات المشرفة على تحويل الشعارات المتعلقة بصون التراث إلى إنجاز فعلي يحترم التاريخ ويحافظ على المال العام في آن واحد.
تعليقات الزوار