هبة زووم – تارودانت
في مشهد بدا للوهلة الأولى احتفالياً وتنموياً، أشرف عامل إقليم تارودانت، صباح يوم الخميس 12 مارس 2026، على إعطاء الانطلاقة الرسمية لأشغال مشروع التأهيل الحضري بمدينة أولوز.
لكن وراء الكاميرات والابتسامات والخطابات الرنانة، تطفو على السطح أسئلة محرجة يطرحها مواطنو أولوز والمهتمون بالشأن الترابي: هل نحتفل ببداية مشروع أم بنهاية وعود مؤجلة؟ وأي ضمانات أن هذه الانطلاقة المهيبة لن تنتهي كغيرها من المشاريع التي تُدشن بحماس وتُسلم بتأخير وجودة مشكوك فيها؟
يُعلن عن مشروع التأهيل الحضري بأولوز كتدخل متكامل يشمل تأهيل الشوارع، تحسين الإنارة، إعادة تهيئة الأرصفة، تطوير المساحات الخضراء، وتقوية شبكات التطهير.
كلمات جميلة في البلاغات الرسمية، لكن المواطن العادي يسأل: ما هي الميزانية الحقيقية للمشروع؟ ومن يمولها؟ ما هي المدة الزمنية الدقيقة للإنجاز؟ وهل هناك عقوبات تأخير للمقاول؟ ما هي معايير الجودة المعتمدة؟ ومن يراقبها ميدانياً؟ كيف سيتم تدبير الإزعاج المؤقت للساكنة أثناء الأشغال؟
فاستمرار الغموض حول هذه التفاصيل لا يُغذي فقط شكوك المواطنين، بل يُرسّخ ثقافة الانطلاقة دون ضمانات التي لطالما عانت منها المشاريع الترابية في المغرب، فالمواطن لا يريد شعارات، بل يريد أرقاماً واضحة والتزامات مكتوبة.
وحضر مراسيم إعطاء الانطلاقة عدد من المنتخبين المحليين ورؤساء المصالح الخارجية، إلى جانب فعاليات من المجتمع المدني، مشهد يوحي بالتعبئة الترابية، لكنه يطرح سؤالاً استراتيجياً: أين هي آليات المشاركة الفعلية للساكنة في تصميم ومراقبة المشروع؟
فالمجتمع المدني الحاضر في المراسم ليس بالضرورة ممثلًا حقيقيًا لانشغالات السكان اليومية، والسؤال المحرج: لماذا لا تُعلن الجماعة الترابية عن قنوات شكاية ومتابعة مفتوحة لتمكين المواطن العادي من الإبلاغ عن أي تقصير أو خلل أثناء الأشغال؟
وتحويل المشاركة من حق للمواطن إلى حضور شكلي في المراسم لا يُهدد فقط شفافية المشروع، بل يُضعف ثقة الساكنة في قدرة المؤسسات على الاستماع لانشغالاتهم الحقيقية، فالساكنة ليست متفرجة على أشغال تُغير وجه مدينتها، بل شريك أساسي في إنجاحها.
وتُراهن ساكنة أولوز على أن يُحسّن المشروع من جودة عيشهم ويعزز جاذبية مدينتهم، لكن التاريخ القريب للمشاريع الترابية في العديد من المدن المغربية يُعلّمنا أن الانطلاقة ليست ضماناً للتسليم، وأن التسليم ليس ضماناً للجودة.
والسؤال الوجودي: كيف يمكن لأولوز أن تثق في وعود جديدة بينما هي لا تزال تنتظر إنجاز وعود سابقة؟ وأي تنمية محلية مستدامة هذه التي تُبنى على مشاريع تُعلن دون ضمانات تنفيذ صارمة؟
فاستمرار ثقافة الوعود دون آليات محاسبة لا يُهدر فقط المال العام، بل يُعمّق شعور المواطنين باللامبالاة المؤسسية التي تُحوّل المشاريع التنموية إلى مناسبات إعلامية لا تحولات ملموسة، فالمواطن يريد شارعاً مُصلَحاً لا صورة انطلاقة.
ويُقدّم مشروع أولوز كجزء من الدينامية التنموية التي يعرفها إقليم تارودانت، لكن الدينامية الحقيقية لا تُقاس بعدد الانطلاقات، بل بنسبة التسليم في الوقت والجودة المطلوبين.
هذا التحليل يطرح إشكاليات استراتيجية: أين هي التقارير الدورية حول تقدم المشاريع المعلنة سابقاً في الإقليم؟ ولماذا لا تُعلن عمالة تارودانت عن لوحة قيادة شفافة تتبع فيها كل المشاريع من الانطلاقة إلى التسليم؟ وكيف يمكن ضمان التوازن المجالي بين أولوز وباقي المراكز الحضرية في الإقليم؟
فتحويل التنمية من مسار ملموس إلى شعار إعلامي لا يُهدد فقط مصداقية المسؤولين، بل يُضعف جاذبية الإقليم للاستثمار وللساكنة على حد سواء، فالاستثمار لا يأتي بالخطابات، بل بالشفافية والجودة.
لم يعد مقبولاً اليوم أن تُترك مشاريع التأهيل الحضري رهينة انطلاقات مهيبة ووعود عامة، فما يحتاجه مواطنو أولوز والمهتمون بالشأن الترابي اليوم هو نشر عقد المشروع كاملاً (التكلفة، الآجال، المقاول، معايير الجودة) على موقع رسمي يسهل الولوج إليه.
كما يتطلب الأمر إحداث لجنة تتبع مستقلة تضم ممثلين عن الساكنة والنقابات والخبراء، لمراقبة الأشغال ميدانياً ونشر تقارير دورية. وتحديد عقوبات واضحة للتأخير أو عدم احترام معايير الجودة، مع نشرها مسبقاً لضمان الردع.
ويُنتظر أيضاً فتح قنوات تواصل مباشرة بين الساكنة ومكتب المشروع، للإبلاغ الفوري عن أي ملاحظات أو شكايات، وتخطيط مسبق لصيانة ما بعد التسليم، لضمان استدامة الأشغال وعدم عودتها للتدهور بعد أشهر قليلة.
وفي الأخير، يمكن القول أن ما تعيشه أولوز مع مشروع التأهيل الحضري ليس حدثاً إدارياً عادياً، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة الترابية وقدرة المسؤولين على تجاوز “عقلية المراسم” لخدمة المصلحة العامة، فإما أن يُرافق عامل الإقليم والسلطات المحلية هذا المشروع بشفافية غير مسبوقة، ومحاسبة صارمة، ومشاركة فعلية للساكنة، وإما أن تستمر ثقافة المراسم التي تُحوّل المشاريع التنموية من وعود ملموسة إلى صور تذكارية وتُهدر ثقة المواطنين في قدرة الدولة على الوفاء بعهودها.
تعليقات الزوار