هبة زووم – أبو العلا العطاوي
الثقة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات الرسمية، ولا عبارة إنشائية تُستهلك في الخطب، بل هي رصيد حقيقي تُقاس به علاقة المواطن بالدولة، وحين يبدأ هذا الرصيد في التآكل، فإن الانهيار لا يطال قطاعًا واحدًا أو إدارة بعينها، بل يمتد ليصيب مجمل البنية الاجتماعية والسياسية.
هذا بالضبط ما تعيشه اليوم بني ملال، حيث بات الحديث عن أزمة ثقة مع السلطة المحلية حديث الشارع قبل أن يكون موضوع النخب.
في بني ملال، لم يعد المواطن يسأل عن المشاريع أو الوعود، بل عن من يملك حق الوصول إلى الفرص، ومن حُكم عليه بالاكتفاء بالمشاهدة من الهامش. فتكافؤ الفرص، الذي يُفترض أن يكون حجر الزاوية في أي دولة حديثة، يبدو وكأنه شعار انتقائي، يُمنح لفئة ويُحجب عن أخرى.
يُروّج رسميًا لخطاب العدالة الاجتماعية، لكن الواقع يُظهر أن بعض العائلات تحوّلت، في زمن قياسي، إلى مراكز نفوذ اقتصادي وإداري. قصور شاهقة، امتيازات، وصفقات لا تمر عبر بوابة الاستحقاق، بينما تُترك الكفاءات الحقيقية تصارع البطالة أو تُدفع دفعًا نحو خيار الهجرة.
في هذا المشهد غير المتكافئ، يشعر المواطن البسيط أنه مواطن بالبطاقة الوطنية فقط: يجتاز المباريات، يحمل الشهادات، يتقن اللغات، ويطرق كل الأبواب القانونية، قبل أن يُغلق كل شيء في وجهه لصالح “ابن فلان” أو “صهر علان”، والرسالة غير المعلنة واضحة: إن لم تكن من العائلة المناسبة، فمكانك الطبيعي هو طابور القنصليات، في انتظار تأشيرة النجاة.
في المقابل، هناك نموذج آخر للمواطنة، يمكن تسميته بـ”المواطنة الممتازة”، حيث لا حاجة لاجتياز مباريات ولا لإثبات الكفاءة. المناصب تأتي جاهزة، والقرارات تُفصَّل على المقاس، فقط لأن صاحبها وُلد في “الحاضنة المخملية” الصحيحة، هنا لا تُقاس الجدارة بالإنجاز، بل بشجرة العائلة.
وسط هذا الاحتقان، تتجه أصابع الاتهام نحو والي الجهة بنريباك، ليس من باب الخصومة الشخصية، بل من زاوية المسؤولية السياسية والإدارية، فالمواطن لا ينتظر المعجزات، لكنه ينتظر إشارات واضحة: الحزم في محاربة الريع، القطع مع منطق الامتيازات، وإعادة الاعتبار لمبدأ الاستحقاق.
الصمت، في لحظة كهذه، لا يُفهم كحياد إداري، بل يُقرأ كتواطؤ أو عجز عن كبح شبكات النفوذ التي تنخر ثقة الناس في الدولة. وحين يفقد المواطن ثقته في ممثلي السلطة، يصبح كل خطاب رسمي بلا معنى، وكل مشروع معرضًا للرفض، مهما كانت قيمته.
ما يجري في بني ملال ليس حالة معزولة، بل نموذج مصغر لأزمة أعمق: دولة تُطالب مواطنيها بالصبر، بينما لا تُقنعهم بالعدل. واستمرار هذا الوضع لن يؤدي إلا إلى مزيد من الإحباط، ومزيد من الطوابير أمام القنصليات، ومزيد من القطيعة الصامتة بين المواطن ومؤسساته.
فالرسالة اليوم واضحة: إما استعادة الثقة عبر قرارات شجاعة وشفافية حقيقية، أو الاستعداد لتحمّل كلفة فقدانها، وهي كلفة لا تُقاس بالأرقام… بل بانسحاب الأمل من النفوس.
تعليقات الزوار