آسفي: لعبة النصاب تُعطل ترميم الأسوار التاريخية وتحركات خفية وراء الكواليس تُثير شكوك التعطيل الممنهج!

هبة زووم – طه المنفلوطي
عرفت أشغال الدورة الأخيرة لمجلس جماعة آسفي، المخصصة للتصويت على اتفاقية شراكة تتعلق بترميم وتأهيل الأسوار التاريخية للمدينة، تطورات غير متوقعة، أعادت إلى الواجهة نقاشاً واسعاً حول طريقة تدبير بعض المحطات الحاسمة داخل المجلس، في مشهد يطرح سؤالاً وجودياً: هل تُدار شؤون المدينة بالمحاضر القانونية أم بكواليس التأثير؟ وأي مسؤولية هذه التي تسمح بتعطيل المشاريع الاستراتيجية بحسابات ضيقة؟
فبينما كان من المرتقب أن تعقد الدورة يوم الجمعة 13 مارس 2026، لم تنعقد بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني، في ظل غياب عدد من الأعضاء، ما اضطر إلى تأجيلها وفق المساطر القانونية، وبعد ذلك، تم عقد الدورة يوم الاثنين 16 مارس، حيث تمت المصادقة على الاتفاقية بحضور 13 عضواً فقط.
لكن ما يُثير الانتباه حقاً ليس التأجيل القانوني، بل التزامن المشبوه بين غياب أعضاء محددين والحديث عن تحركات داخلية يشتبه في كونها تهدف إلى التأثير على سير أشغال المجلس، من خلال الدفع نحو عدم اكتمال النصاب، وبالتالي تأجيل التداول في نقطة ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للمدينة.
غياب النصاب صدفة عابرة أم تعطيل مُبرمج؟
تذهب بعض المعطيات المتداولة إلى الحديث عن دور محتمل لأحد نواب رئيس المجلس في هذا السياق، من خلال ما يوصف بمحاولات “تأثير” على بعض الأعضاء، في وقت كان فيه رئيس المجلس في غياب مؤقت بسبب سفره لأداء مناسك العمرة بمكة المكرمة.
هذا “السياق الزمني” يطرح إشكاليات وجودية: كيف يُفسر الغياب الجماعي لأعضاء محددين في دورة تحمل مشاريع استراتيجية كترميم الأسوار التاريخية؟ أين هي حيادة النواب الذين يفترض أن يضعوا مصلحة المدينة فوق الحسابات الداخلية؟ ولماذا لا يُعلن المجلس عن لائحة الغياب وأسبابه لضمان شفافية المساطر؟
فتحويل النصاب القانوني من شرط إجرائي إلى أداة تعطيل لا يُهدد فقط فعالية المجلس، بل يُرسّخ ثقافة السياسة بالعرقلة التي لطالما عانت منها الجماعات الترابية في المغرب.
الرئيس في العمرة والنائب في الكواليس: أي تدبير هذا؟
يُضيف غياب رئيس المجلس لأداء مناسك العمرة بُعداً آخر لهذا الجدل، حيث يطرح السؤال: هل استُغل هذا الغياب الشرعي والمقدس في تدبير توازنات داخلية حساسة؟
هذا السياق الحساس يطرح أسئلة محرجة: لماذا لا يُفوض الرئيس صلاحياته بشكل واضح قبل سفره لضمان استمرارية الأشغال؟ أين هي مدونة سلوك تمنع استغلال الغيابات في تمرير أجندات خفية؟ وكيف يمكن ضمان حيادة التدبير بينما تُترك الفراغات القيادية رهينة تأثيرات النواب؟
فتحويل الغياب المشروع من ظرف شخصي إلى فرصة سياسية لا يُهدر فقط مصداقية المجلس، بل يُعمّق شعور المواطنين باللامبالاة النخبوية التي تُقدم المناورات الداخلية على مشاريع المدينة.
حملات رقمية مُوجهة: إعلام أم تأثير مبطّن؟
يتقاطع هذا الجدل مع نقاش أوسع يتداول محلياً، يتعلق بطبيعة الخطاب المتداول في بعض المنصات الرقمية، حيث تثار تساؤلات حول وجود حملات إعلامية تستهدف مؤسسات معينة على رأسها عمالة الإقليم، وتروي مضامين مثيرة للجدل.
هذا السياق الإعلامي يطرح إشكاليات استراتيجية: أين هي الحدود بين النقد المشروع والحملات المُوجهة التي تهدف إلى زعزعة الثقة في المؤسسات؟ لماذا لا تتدخل الجهات المعنية لكشف مصادر الأخبار المشبوهة ومحاسبة مروجيها؟ وكيف يمكن للمواطن أن يميز بين الإعلام النزيه والتأثير المبطّن في ظل فضاء رقمي مفتوح؟
فتحويل النقاش العمومي من فضاء للمساءلة إلى ساحة للحرب الإعلامية لا يُهدد فقط استقرار المؤسسات، بل يُرسّخ ثقافة التشويه المنظم التي تُضعف ثقة المواطنين في قدرة مؤسساتهم على الصمود أمام هجمات الكواليس.
20 مليون درهم للأسوار: نصر قانوني وهزيمة سياسية؟
رغم هذه الملابسات، فقد تمت في نهاية المطاف المصادقة على اتفاقية شراكة تهم مشروعا حيويا، تصل كلفته إلى 20 مليون درهم، ويهدف إلى ترميم وإعادة الاعتبار للأسوار التاريخية لمدينة آسفي، خاصة بعد الأضرار التي لحقتها جراء الفيضانات الأخيرة.
لكن هذا النصر القانوني يطرح سؤالاً مرّاً: ما قيمة مصادقة متأخرة إذا كانت قد كلفت المدينة وقتاً ثميناً وفرصاً ضائعة؟ وأي تنمية هذه التي تُدار بمناورات العرقلة لا بروح التعاون؟
وهنا يمكن القول على أن تحويل المشاريع الاستراتيجية من أولوية وطنية إلى ورقة مساومة لا يُهدر فقط المال العام، بل يُعمّق شعور المواطنين بالعجز المؤسسي الذي يُحوّل التراث من أمانة للأجيال إلى رهينة للحسابات الضيقة.
أسئلة مفتوحة: من يحمي آسفي من الكولسة؟
أمام هذه التطورات، تبرز مجموعة من الأسئلة التي تفرض نفسها بإلحاح: هل كان غياب النصاب خلال الدورة الأولى مجرد صدفة ظرفية، أم نتيجة حسابات سياسية ضيقة؟ وإلى أي حد يمكن أن تؤثر هذه الممارسات على مصالح المدينة ومشاريعها الاستراتيجية؟ ومن يضمن أن “التصويت بالحد الأدنى” لن يُكرر نفس سيناريو “العرقلة” في مشاريع مستقبلية؟
أسئلة تبقى مفتوحة في انتظار توضيحات رسمية، تعيد ترتيب الوقائع وتضع حداً لكل التأويلات، خاصة عندما يتعلق الأمر بمشاريع تمس التراث التاريخي والتنمية المستقبلية لمدينة آسفي.
من الكواليس إلى الشفافية الفعلية
لم يعد مقبولاً أن تُترك آسفي رهينة لعبة النصاب وتحركات الكواليس، ما يحتاجه المواطنون والمهتمون بالشأن الترابي اليوم هو: شفافية كاملة في نشر محاضر الجلسات ولائحة الحضور والغياب، مع توضيح أسباب التأجيلات إن وُجدت، مدونة سلوك ملزمة لأعضاء المجلس، تمنع استغلال “النصاب” أو “الغيابات” في عرقلة المشاريع الاستراتيجية، تحقيق إداري نزيه في التحركات المشبوهة التي يُشتبه في تأثيرها على أشغال المجلس، مع نشر النتائج لضمان الردع.
مع ضرورة حماية المؤسسات من الحملات الرقمية المُوجهة، وتفعيل آليات قانونية لمحاسبة مروجي الأخبار الكاذبة، وتفويض واضح للصلاحيات في حال غياب الرئيس، لضمان استمرارية الأشغال ومنع الفراغ القيادي من أن يصبح فرصة للمناورة.
ما تعيشه آسفي مع فضيحة لعبة النصاب ليس خللاً إجرائياً عادياً، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة المحلية وقدرة المجلس على تجاوز عقلية الكواليس لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تتحرك الجهات المعنية لضمان شفافية الأشغال، ومحاسبة من يُعطل المشاريع بحسابات ضيقة، وحماية التراث من مناورات السياسات الصغيرة، وإما أن تستمر ثقافة العرقلة التي تُحوّل المشاريع الاستراتيجية من أولوية وطنية إلى ورقة مساومة وتُهدر ثقة المواطنين في قدرة مؤسساتهم على حماية تراثهم.
فسكان آسفي ينتظرون اليوم، والتراث ليس ورقة ضغط والمشاريع ليست غنيمة كواليس والمواطن ليس متفرجاً على مناورات تُهدد مستقبل مدينتهم، والأسوار التاريخية ليست أرقاماً في محاضر والنصاب ليس أداة عرقلة وآسفي تستحق أفضل من سياسيين يتنافسون على تعطيل المشاريع لا على خدمة المدينة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد