الرشيدية: الوالي زنيبر يُسقط “سياسة كؤوس الشاي” ويبعثر أوراق عائلات النفوذ التي عاشت على موائد القرار!
هبة زووم – الرشيدية
في زمن كانت فيه “كؤوس الشاي” عملة سياسية رخيصة، و”الصينية” برنامجاً انتخابياً بديلاً عن الرؤية التنموية، جاء الوالي سعيد زنيبر ليُسدل الستار على حقبة الموائد وطقوس التقريب، في قرار لا يُعتبر مجرد تغيير إداري روتيني، بل هو إعلان حرب صامت على ثقافة الولاءات المشبوهة والنفوذ عبر الشاي.
مشهد لا يُثير فقط استياء عائلات سياسية اعتادت أن تدخل مكتب الوالي كما تدخل غرف نومها، بل يطرح سؤالاً وجودياً مُحرجاً: إذا كانت “سياسة الشاي” هي التي تُقرر من يربح ومن يخسر في الخريطة السياسية، فلماذا استمرت كل هذه السنوات؟ وأي مسؤولية هذه التي سمحت لـ”تجار الأوهام” بأن يتحكموا في مصير إقليم شاسع كالرشيدية عبر جلسات “تقرقيب الناب”؟
لم يكن تعيين الوالي الجديد على إقليم الرشيدية مجرد تغيير إداري عابر، بل شكّل لحظة فاصلة أعادت خلط أوراق المشهد السياسي المحلي، ووضعت حداً – على الأقل مؤقتاً – لواحدة من أكثر الممارسات إثارة للجدل: سياسة “كؤوس الشاي بمكتب الوالي”، التي تحولت لسنوات إلى قناة غير رسمية لتوزيع النفوذ وترتيب المصالح.
هذه السياسة، التي كانت تُدار خلف الأبواب المغلقة، لم تكن مجرد لقاءات بروتوكولية عادية، بل شكلت، وفق متتبعين، آلية موازية لصناعة القرار المحلي، حيث نجحت بعض العائلات السياسية في تحويل “جلسات الشاي” إلى رأسمال رمزي يُسوّق قربها من السلطة، ويُستثمر انتخابياً في استمالة الناخبين، عبر الإيحاء بالقدرة على حل الملفات وتسهيل المساطر في لمح البصر.
غير أن هذا الامتياز غير المعلن تلقى ضربة قوية مع وصول الوالي سعيد زنيبر، الذي بدا حريصاً على القطع مع هذا النمط من التدبير غير الشفاف، واضعاً معايير جديدة عنوانها: الملفات الجدية أولاً، والمساواة في الولوج إلى الإدارة فوق كل اعتبار.
فلم يعد باب الولاية مشرعاً للزيارات العابرة أو جلسات “تقرقيب الناب”، بل أصبح مرتبطاً بمدى وجاهة القضايا المطروحة وانعكاسها المباشر على مصالح الساكنة.
هذا التحول أربك بشكل واضح حسابات عدد من الوجوه التي اعتادت اللعب في منطقة الظل، حيث فقدت فجأة إحدى أهم أوراقها: ورقة “القرب من الوالي”.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وجدت هذه الشبكات نفسها في مأزق حقيقي، بعدما تآكلت قدرتها على تسويق النفوذ، واضطرت – مرغمة – إلى البحث عن بدائل قد لا تتجاوز الشعارات الفارغة أو الوعود المؤجلة.
الأخطر في هذا السياق، أن هذه الممارسات لم تكن معزولة عن واقع اجتماعي هش يعيشه الإقليم، حيث الفقر والبطالة وضعف التأطير السياسي، ما جعل فئات واسعة عرضة لتأثير “شيوخ السياسة” الذين أتقنوا لسنوات لعبة شراء الولاءات بأبخس الأثمان.
هنا، لم تكن “كؤوس الشاي” مجرد طقس اجتماعي، بل تحولت إلى أداة لإعادة إنتاج نفس النخب، وتكريس منطق الزبونية على حساب الكفاءة والاستحقاق.
قرار وضع حد لهذه الظاهرة، إن صحّ توصيفه كسياسة ممنهجة، لا يمكن إلا أن يُقرأ كخطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه يظل غير كافٍ ما لم يُواكَب بإجراءات أعمق تُعيد الاعتبار للعمل السياسي النزيه، وتُحصّن العملية الانتخابية من كل أشكال التلاعب والتأثير غير المشروع.
فالرهان اليوم لا يقتصر على إغلاق “صالون الشاي السياسي”، بل يتجاوز ذلك إلى بناء ثقافة سياسية جديدة قوامها الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، حيث لا مكان للامتيازات غير المستحقة، ولا مجال لتسويق الوهم على حساب وعي المواطن.
إن الرشيدية، بكل تحدياتها، في حاجة ماسة إلى نخبة سياسية تُخاطب العقول لا البطون، وتُقنع بالبرامج لا بالولائم، وتُراكم الثقة بالفعل لا بالصور، أما زمن “الدوباج” وشراء القرب من السلطة، فيبدو أنه – على الأقل في هذه المرحلة – يلفظ أنفاسه الأخيرة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل نحن أمام قطيعة حقيقية مع ممارسات الماضي، أم مجرد استراحة ظرفية ستعود بعدها “كؤوس الشاي” في شكل جديد أكثر دهاءً؟