بين صور التدشين وواقع العزلة.. من يجرؤ على كشف “فجوة الأثر” في مشاريع المبادرة الوطنية بأزيلال؟

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في مشهد بروتوكولي يتكرر مع كل مناسبة رسمية، أشرف حسن الزيتوني على تدشين مشروع “دار الأمومة والولادة” بجماعة واولى، ضمن احتفالات الذكرى الحادية والعشرين لإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بحضور منتخبين ومسؤولين محليين وممثلي المصالح الخارجية.
لكن خلف صور التدشين وقصّ الشريط، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بإلحاح: هل يكفي تشييد بناية جديدة لحلّ المأساة الصحية التي تعيشها نساء العالم القروي بإقليم أزيلال؟
لا أحد يمكنه أن يعارض من حيث المبدأ إحداث فضاءات مخصصة لاستقبال النساء الحوامل، خصوصًا في المناطق الجبلية المعزولة التي تعاني من هشاشة كبيرة في الولوج إلى العلاج. غير أن التجارب السابقة علمت الساكنة أن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في غياب البنايات، بل في غياب منظومة صحية متكاملة قادرة على ضمان الاستمرارية والجودة والكرامة الإنسانية.
فكم من مشاريع اجتماعية وصحية دُشنت بالتصفيق والصور الرسمية، قبل أن تتحول بعد أشهر إلى بنايات شبه مهجورة، أو مرافق تفتقد للأطر الطبية والتجهيزات الأساسية ووسائل النقل والتدبير الفعال؟ وكم من مركز صحي بالعالم القروي يوجد اليوم بلا طبيب، أو بمعدات معطلة، أو بخدمات لا ترقى حتى إلى الحد الأدنى من انتظارات المواطنين؟
المثير للانتباه أن الخطاب الرسمي يواصل التركيز على كلفة المشاريع وعدد الغرف والمرافق، بينما يتم تجاهل السؤال الأهم: ماذا بعد التدشين؟ من سيضمن استمرارية هذا المشروع؟ ومن سيتكفل بالتأطير الطبي والاجتماعي؟ وهل تتوفر الإمكانيات البشرية واللوجستيكية الكافية حتى لا تتحول “دار الأمومة” إلى مجرد بناية أخرى تضاف إلى أرشيف المشاريع المعطلة؟
إن الحديث عن تحسين صحة الأم والطفل لا يمكن اختزاله في بناء فضاءات للإيواء فقط، لأن معاناة نساء أزيلال أعمق من ذلك بكثير. فالإقليم ما يزال يعيش على وقع العزلة الطرقية، وخصاص مهول في الأطر الصحية، وضعف خدمات المستعجلات، وغياب النقل الطبي الكافي، وهي اختلالات تجعل رحلة المرأة الحامل نحو العلاج أحيانًا أقرب إلى مغامرة محفوفة بالخطر.
الأخطر أن بعض المسؤولين يواصلون التعامل مع مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بمنطق “الإنجاز العددي” لا بمنطق الأثر الحقيقي. المهم هو الإعلان عن المشروع، وتقديم الأرقام والكلفة المالية، والتقاط الصور الرسمية، بينما تبقى الأسئلة المرتبطة بالنجاعة والحكامة والتقييم غائبة أو مؤجلة.
صحيح أن المشروع كلف حوالي 1.4 مليون درهم، وتم إنجازه في ثمانية أشهر، لكن المواطن البسيط لا يقيس التنمية بحجم الاعتمادات المالية، بل بما تغير فعليًا في حياته اليومية. التنمية الحقيقية ليست لافتة تدشين، ولا بلاغًا رسميًا، بل قدرة الدولة على توفير خدمات تحفظ كرامة الإنسان في الجبل والقرية كما في المدينة.
واليوم، وأمام تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية بإقليم أزيلال بسبب العطش والعزلة وضعف الخدمات الأساسية، تبدو الحاجة ملحة إلى الانتقال من سياسة “التدشينات الموسمية” إلى رؤية تنموية حقيقية تعالج جذور الأزمة، لا مظاهرها فقط.
فالساكنة لم تعد تنتظر مشاريع للتجميل المؤسساتي أو للاستهلاك الإعلامي، بل تنتظر مستشفى يحترم آدميتها، وطريقًا تنهي عزلتها، وطبيبًا لا يغادر، وخدمة صحية لا ترتبط فقط بزيارات المسؤولين والمناسبات الرسمية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد