القنيطرة.. مدينة تتوسع عمرانياً ونقل حضري لا يواكب تطلعات السكان

هبة زووم – القنيطرة
لم تعد أزمة التنقل بمدينة القنيطرة مجرد تفصيل يومي يشتكي منه مستعملو الحافلات، بل أصبحت واحداً من الملفات التي تطرح بإلحاح سؤال قدرة التدبير الحضري على مواكبة النمو السكاني والعمراني الذي تعرفه المدينة، فبين أحياء تتوسع، ومرافق جامعية واقتصادية تستقطب آلاف المرتفقين، وحركة يومية تربط القنيطرة بمحيطها، يجد المواطن نفسه أمام تحدي الوصول إلى وجهته في ظروف تحفظ وقته وكرامته.
وتتزايد أهمية هذا الملف بالنظر إلى أن النقل العمومي ليس مجرد وسيلة للانتقال من نقطة إلى أخرى، بل خدمة أساسية ترتبط بحق السكان في الولوج إلى العمل والدراسة والعلاج والإدارة، كما تشكل مؤشراً على جودة الحياة داخل المجال الحضري.
وتبرز الإشكالية بشكل خاص في الربط بين الأحياء الجديدة ومركز المدينة، وبين القنيطرة والجماعات المجاورة، حيث تفرض التحولات العمرانية إعادة النظر في توزيع الخطوط وتواتر الرحلات ومدى استجابة العرض لحاجيات المواطنين، خصوصاً خلال ساعات الذروة.
ولا يمكن اختزال هذا التحدي في عدد الحافلات وحده؛ فالمطلوب شبكة نقل منسجمة، بمواعيد واضحة، وخطوط تغطي الأحياء ذات الكثافة السكانية، ومحطات تستجيب لشروط السلامة والراحة، إلى جانب مراقبة جودة الخدمات واحترام الالتزامات التعاقدية من طرف الجهات المكلفة بالتدبير.
وتزداد حساسية الملف في ظل النقاش الذي عرفته القنيطرة خلال سنة 2026 بشأن مراجعة تعريفة النقل الحضري والدعم المالي الموجه إلى الشركة المفوض لها. فقد أثيرت داخل المجلس الجماعي، كما ورد في سؤال برلماني منشور بموقع مجلس النواب، تساؤلات بشأن الزيادة في الأسعار والتوازن المالي للعقد والالتزامات الاستثمارية للشركة. وهي معطيات تفتح النقاش حول العلاقة بين كلفة الخدمة وجودتها، دون أن تعني وحدها ثبوت أي اختلال.
وهنا يفرض السؤال نفسه: كيف يمكن مطالبة المواطن بتحمل كلفة إضافية للتنقل، من دون أن تكون هناك مؤشرات ملموسة على تحسن انتظام الحافلات وجودة الخدمة وتغطية الأحياء؟ فالتوازن المالي لأي عقد تدبير مفوض يظل مهماً، لكنه لا ينبغي أن ينفصل عن مبدأ أساسي يتمثل في حماية المرفق العمومي وضمان خدمة تستجيب لانتظارات المرتفقين.
ومن جهة أخرى، فإن إطلاق مشاريع كبرى للبنيات التحتية، من بينها المحطة الطرقية الجديدة التي أعطيت انطلاقة أشغالها بالقنيطرة في يونيو 2026، يمثل خطوة في تحديث النقل الطرقي، لكنه لا يعوض الحاجة إلى معالجة اختلالات النقل الحضري داخل المدينة وبينها وبين محيطها. فالمحطة الحديثة لا تكفي إذا ظل الوصول إليها أو التنقل منها يطرح صعوبات يومية.
إن الرهان الحقيقي يقتضي رؤية متكاملة لا تفصل النقل عن التعمير، ولا تنظر إلى الحافلات باعتبارها حلاً منفرداً، بل باعتبارها جزءاً من منظومة تشمل تخطيط الخطوط، وتحديد ممرات آمنة للراجلين والدراجات، وتحسين المحطات، وتنسيق النقل بين المدينة والجماعات المجاورة.
كما أن مسؤولية تطوير هذا المرفق لا تقع على جهة واحدة بمعزل عن باقي المتدخلين؛ إذ تتطلب تنسيقاً بين الجماعة والسلطات المختصة والجهات المعنية بالتدبير والتمويل، مع وضوح في توزيع المسؤوليات وآليات التتبع والمراقبة.
القنيطرة لا تحتاج فقط إلى حافلات إضافية، بل إلى سياسة تنقل تضع المواطن في صلب الأولويات، وتربط أي دعم عمومي أو مراجعة للتعريفة بمؤشرات واضحة حول جودة الخدمة والالتزام بالاستثمارات وتحسين التغطية.
فالتوسع العمراني لا يقاس بعدد المباني والأحياء الجديدة وحدها، بل بقدرة المدينة على ضمان تنقل سلس وآمن لسكانها. أما أن تتوسع المدينة بينما يظل التنقل اليومي مصدر قلق وإهدار للوقت والجهد، فذلك يضع التخطيط الحضري وتدبير النقل أمام اختبار حقيقي: متى يصبح النقل العمومي بالقنيطرة خدمة تواكب نمو المدينة، لا عبئاً إضافياً على سكانها؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد