هبة زووم – المراسل
دقت غرفة الصيد البحري المتوسطية ناقوس الخطر بشأن عدد من الإكراهات التي باتت تؤثر على نشاط مهنيي الصيد البحري بالواجهة المتوسطية، وفي مقدمتها الارتفاع المتواصل في أسعار المحروقات، وما ترتب عنه من ارتفاع كلفة الرحلات البحرية وتفاقم الأعباء المالية التي تثقل كاهل عدد من المهنيين.
وجاء ذلك خلال أشغال الدورة العادية الثالثة للغرفة برسم سنة 2026، المنعقدة يوم الجمعة 2 أكتوبر 2026 بمقرها بمدينة طنجة، برئاسة رئيس الغرفة منير الدراز، وبحضور أعضاء الغرفة وعدد من المسؤولين والأطر المؤسساتية والمهنية، من بينهم المدير الجهوي للمكتب الوطني للصيد بطنجة، والمدير الجهوي والخبراء العلميون للمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، ومندوب الصيد البحري بطنجة، إلى جانب ممثلي الهيئات المهنية.
واستُهلت أشغال الدورة بالتأكد من توفر النصاب القانوني، قبل المصادقة على إدراج نقطة استعجالية ضمن جدول الأعمال، خصصت لبحث تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات وانعكاساتها المباشرة على مختلف أصناف أسطول الصيد البحري.
كما صادق أعضاء الغرفة بالإجماع على محضر الدورة السابقة بعد إدخال عدد من التعديلات، فيما أكد رئيس الغرفة أن التوصيات المنبثقة عن دورات المؤسسة يتم تحويلها إلى مراسلات رسمية موجهة إلى الوزارة الوصية والقطاعات والمؤسسات المعنية.
وأوضح الدراز أن بعض الملفات عرفت تأخراً في التتبع والمعالجة خلال الفترة الماضية بسبب الإكراهات المرتبطة بالموسم الصيفي والاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، مؤكداً أن العمل سيستأنف خلال الأسابيع المقبلة لإعادة تحريك هذه الملفات والدفع بها نحو حلول عملية.
المحروقات.. الملف الذي فجّر غضب المهنيين
استأثر ملف المحروقات بالحيز الأكبر من النقاش، في ظل ما وصفه المهنيون بارتفاع قياسي في كلفة الغازوال، حيث بلغ السعر المدعم، وفق المعطيات التي عرضت خلال الدورة، حوالي 13 درهماً للتر.
ويرى مهنيو الصيد أن هذا الارتفاع أصبح يشكل ضغطاً مباشراً على مردودية نشاطهم، في ظل ارتفاع كلفة الرحلات البحرية وتزايد الديون والالتزامات المالية، الأمر الذي يضع عدداً من أصحاب المراكب والقوارب أمام وضعية اقتصادية أكثر صعوبة.
وعبر أعضاء الغرفة وممثلو القطاع عن استيائهم مما اعتبروه استمراراً لاستثناء الصيد البحري من بعض آليات الدعم المباشر، كما أثاروا إشكالات أخرى مرتبطة بالضريبة على القيمة المضافة والرسوم الجمركية المفروضة على مجموعة من معدات وشباك الصيد المستوردة.
وبعد نقاش مطول، تم الاتفاق على إعداد وتوجيه مراسلات ومذكرات استعجالية إلى رئيس الحكومة ووزير الفلاحة والصيد البحري ووزير الداخلية وولاة الجهات المعنية، للمطالبة باتخاذ إجراءات عاجلة تخفف من وطأة ارتفاع أسعار المحروقات على المهنيين.
ومن بين المقترحات التي طرحتها الغرفة، تسقيف سعر الغازوال الموجه إلى مراكب وقوارب الصيد في حدود تتراوح بين 7 و8 دراهم للتر، أو اعتماد آلية للتعويض الجزئي والمباشر عن فواتير الغازوال المستهلك من طرف المهنيين.
وتعكس هذه المطالب حجم الضغط الذي بات يفرضه عامل الكلفة على القطاع، خصوصاً بالنسبة إلى المهنيين الذين ترتبط مداخيلهم بشكل مباشر بنتائج الرحلات البحرية والأسعار المتقلبة للمنتجات البحرية.
15 ألف سترة نجاة لتعزيز السلامة
وفي جانب آخر، شكل تعزيز شروط السلامة البحرية لفائدة مهنيي الصيد التقليدي أحد المحاور المهمة التي ناقشتها الدورة، من خلال استعراض مستجدات عملية توزيع سترات النجاة على البحارة.
وأعلن خلال الاجتماع عن وصول الدفعة الأولى من هذه التجهيزات إلى مقر الغرفة، والتي تضم 8 آلاف سترة، في انتظار وصول دفعة ثانية تضم 7500 سترة، ليصل العدد الإجمالي المعلن إلى أكثر من 15 ألف سترة نجاة.
وأكدت المعطيات المقدمة أن هذه التجهيزات ستخضع لمعاينة دقيقة من طرف لجنة مختصة تابعة لكتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، بهدف التأكد من مطابقتها للمواصفات والشروط المحددة في دفتر التحملات، على أن تنطلق عملية التوزيع بعد استكمال مختلف الإجراءات المطلوبة.
ومن المرتقب أن تشمل هذه العملية مختلف الموانئ ونقط التفريغ الممتدة على الواجهة المتوسطية، من العرائش إلى السعيدية، على أن يتم استكمالها قبل شهر دجنبر المقبل.
وفي الإطار نفسه، تم إخبار أعضاء الغرفة بتوقيع اتفاقية إطار للشراكة والتعاون مع كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، بما يوفر السند القانوني والإداري لاقتناء وتوزيع معدات وتجهيزات السلامة البحرية لفائدة قطاع الصيد التقليدي، وتجاوز عدد من الإشكالات المرتبطة بالمساطر الإدارية والمالية.
شباك جديدة لمواجهة أضرار هجمات الدلافين
وتوقف الاجتماع أيضاً عند تجربة جديدة لتطوير الشباك المستعملة في مواجهة الأضرار التي تلحقها هجمات ما يعرف مهنياً بـ”الدلفين الأسود” أو “النيكرو”، وهي الظاهرة التي تشكل أحد مصادر الخسائر بالنسبة إلى عدد من مهنيي الصيد.
وفي هذا السياق، قدم الخبير بالمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري محمد ملولي عرضاً حول المسار البحثي للمشروع الذي امتد لنحو عشر سنوات، والنتائج التي أفرزتها التجارب الميدانية التي شملت ثلاثة نماذج أولية، وضعت رهن إشارة ثلاثة مراكب بكل من الحسيمة والجبهة ورأس الماء.
وأظهرت المعطيات التقنية أن النموذج الجديد مكن من خفض وزن الشباك وشحنتها بنحو 17 في المائة، من خلال تقليص طولها من 650 إلى 600 متر، مع الحفاظ على حمولة تتراوح بين 6 و7 أطنان، فضلاً عن اعتماد خيوط سوداء أكثر متانة وتقوية الأجزاء الوسطى الأكثر تعرضاً للهجمات.
وبحسب النتائج الميدانية التي قدمت خلال الدورة، فقد ساهم النموذج الجديد في خفض الأضرار التي تلحق بالشباك بنسبة تراوحت بين 70 و80 في المائة، إلى جانب تسجيل ارتفاع في المردودية والإنتاج تراوح بين 200 و300 في المائة بمينائي الحسيمة والجبهة، وفق المعطيات المعروضة.
وقررت الجهات المعنية تمديد فترة الملاحظة والمواكبة التقنية لمدة ستة أشهر إضافية، بهدف إدخال تعديلات أخرى، خصوصاً ما يرتبط بارتفاع الشباك وتفادي احتكاكها بالقاع الصخري.
طنجة تطالب بنصيبها من التجربة
وخلال مناقشة هذا الملف، أثار محمد الخيري نقطة نظام بشأن عدم إدراج ميناء طنجة ضمن الموانئ المستفيدة من التجربة، رغم تعرض عدد من مراكبه بدورها لأضرار مرتبطة بهجمات الدلافين.
وأوضح ممثلو المعهد ورئيس الغرفة أن الاتفاقية المبرمة سنة 2017 استندت إلى دراسة بيولوجية حددت المناطق الأكثر تضرراً، مؤكدين استعداد الغرفة لدعم إدراج ميناء طنجة ضمن التجربة في حال موافقة الوزارة والجهات المختصة على إبرام ملحق تعديلي للاتفاقية.
مطالب برفع قوة محركات قوارب الصيد التقليدي
وتناول أعضاء الغرفة كذلك مشروع القرار المتعلق بمعايير بناء وترميم سفن الصيد، في إطار المرسوم 2.20.147 والقانون 59.14، خصوصاً المقتضيات المرتبطة بالحمولة وقوة المحركات وتصنيف الأسطول.
وعبر مهنيو الصيد التقليدي عن تحفظهم على تحديد قوة المحركات في 30 حصاناً، مطالبين برفعها إلى 40 حصاناً، بداعي خصوصيات الملاحة بالواجهة المتوسطية وقوة التيارات البحرية.
كما أثيرت وضعية عدد من قوارب الصيد التقليدي الكبيرة والمعززة، المعروفة مهنياً بـ”السويلكة” و”الممبارات” و”الغرّاف”، والتي تتراوح حمولتها بين 3 و9 أطنان، فيما تصل قوة محركات بعضها إلى 120 حصاناً، مع المطالبة بتسوية وضعيتها القانونية والإدارية.
وقررت الغرفة منح أعضائها مهلة 15 يوماً لتقديم ملاحظاتهم ومقترحاتهم وتعديلاتهم كتابة، تمهيداً لإعداد مذكرة تفصيلية ورفعها إلى كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري.
خافرة إنقاذ طنجة.. تقادم يثير المخاوف
ومن الملفات التي أثارت اهتمام المشاركين أيضاً وضعية خافرات الإنقاذ بالواجهة المتوسطية، وبصفة خاصة خافرة الإنقاذ بميناء طنجة، التي يعود تاريخ استعمالها إلى سنة 1989.
ووفق المعطيات المقدمة خلال الدورة، تعاني هذه الخافرة من تقادم كبير وأعطاب تقنية وتسربات مائية، فضلاً عن هشاشة هيكلها المصنوع من الألومنيوم ومشاكل مرتبطة بمضخات المحرك.
ودعا المتدخلون إلى إعادة النظر بشكل عاجل في منظومة الإنقاذ بميناء طنجة، وتمكينه من زورق إنقاذ حديث يتوفر على التجهيزات والإمكانيات التقنية الضرورية للتدخل السريع والفعال في حالات الطوارئ.
كما تمت إثارة إشكالية غياب وسيلة فعالة لجر المراكب التي تتعرض للأعطاب، سواء في عرض البحر أو داخل الميناء، مع المطالبة بتوفير آلية مناسبة لتعزيز منظومة السلامة والتدخل.
الصدفيات.. تقليص الكوطا وتأخر التحاليل
وناقشت الدورة أيضاً وضعية صيد شقائق البحر والصدفيات، وما يرتبط بها من إشكالات تتعلق بالكوطا والتحاليل المخبرية الخاصة بالسموم البحرية.
وأعرب المهنيون عن استيائهم من تقليص الحصة السنوية المخصصة للصدفيات من 1300 طن إلى 1000 طن، كما أثاروا مشكلة تأخر نتائج التحاليل التي قد تستغرق ما بين 48 و72 ساعة، وهو ما قد يؤثر، بحسبهم، على استغلال الظروف الجوية الملائمة للصيد وتسويق المنتوج في الوقت المناسب.
وطالب المهنيون بتسريع عمليات التحليل وإصدار النتائج محلياً، خصوصاً عبر مركز طنجة، داخل آجال تتراوح بين 24 و48 ساعة، مع تعزيز التنسيق بين عمليات أخذ العينات والنشرات الجوية.
عقار ومستودعات ميناء العرائش.. مطالب بإعادة النظر
وفي ملف آخر، ناقشت الدورة وضعية المستودعات والبقع الأرضية داخل ميناء العرائش، على خلفية شكايات تتعلق بطريقة توزيع بعض الأوعية العقارية والمستودعات.
وطرح خلال الدورة أن بعض المستفيدين، بحسب ما عبر عنه المهنيون، لا يمارسون النشاط المهني فعلياً، مقابل حرمان مهنيين يمارسون نشاطهم منذ سنوات، وهو ما دفع الغرفة إلى الاتفاق على مراسلة الجهات المختصة.
كما تقرر عقد اجتماع استعجالي بين رئاسة الغرفة والمدير العام للوكالة الوطنية للموانئ والمدير الجهوي، بهدف دراسة الوضعية والبحث عن حلول للملفات العالقة.
قطاع في مواجهة كلفة متصاعدة وإكراهات متعددة
وتكشف مخرجات دورة أكتوبر أن مهنيي الصيد البحري بالواجهة المتوسطية يواجهون حزمة من التحديات المتداخلة، تبدأ من ارتفاع كلفة المحروقات ولا تنتهي عند السلامة البحرية، مروراً بمشاكل التجهيز وتنظيم الأسطول وتسويق المنتجات وتدبير بعض الملفات العقارية بالموانئ.
وفي ظل تعدد هذه الإكراهات، تبدو المطالب التي رفعتها الغرفة خلال الدورة مرتبطة بشكل أساسي بالحفاظ على قدرة المهنيين على الاستمرار، وتحسين ظروف اشتغالهم، وتعزيز شروط السلامة، وضمان عدالة أكبر في الاستفادة من البرامج والتجارب والمشاريع.
واختتمت أشغال الدورة بتلاوة برقية الولاء والإخلاص المرفوعة إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، قبل رفع الجلسة، على أمل أن تتحول التوصيات والمذكرات التي خرجت بها الغرفة إلى إجراءات عملية تلامس مختلف الإشكالات التي تواجه القطاع على أرض الواقع.
تعليقات الزوار