اللباس الشرعي للمرأة وعلاقته بعرف أهل البلد

عبد السلام أجرير

كثير من النساء يتجاهلن عرف البلد في لباسهن فيصرن مقلدات لغيرهن من باب الموضة الشرقية أو الغربية.
وهذا أمر يحتاج إلى نظر وتأصيل، مع التنبيه إلى أهم شروط اللباس الشرعي.

أولا: إن ما شرطه فقهاؤنا -رحمهم الله- من عدم مخالفة اللباس لعرف البلد ليس شرط صحة في اللباس الشرعي؛ بمعنى أن المرأة إذا لم تلتزم به لا تُعد متبرجة، ولكنه شرط كمال وتمام.
ولا شك أن النكير واللوم يقع على شرط الصحة في العبادات لا على شرط الكمال.

ثانيا: المقصود بعرف أهل البلد هنا ذاك النمط الاجتماعي الذي ارتضاه قوم ما في بيئتهم ومجتمعهم، والعرف له شروط أهمها أن يكون موافقا لمقاصد الشريعة العامة.
ولذلك قال القائل:

العُرْف في الشرع له اعتبار * إذْ عليه الحكم قد يُدار

ثالثا: في زماننا يصعب الحديث عن عرف خاص بمنطقة دون سواها، خصوصا في بلد منفتح على المشرق والمغرب مثل المملكلة المغربية.
وفي عصر صار العالم فيه مجموعا في قرية، وانتشار نمطيات مختلفة في التحجب والسفور معا.
.
.
فيصعب القول إن اللباس الشرعي على طريقة المشارقة غريبا عن عرفنا، بل لقد انتشر حتى أصبح يُظن أنه هو اللباس الأكمل في السترة والتحجب وخصوصا عند عامة الناس.
بل قد يكون قد أصبح عرفا عند طائفة كبيرة من المغاربة.

رابعا: اللباس الشرعي له شروط لا تخفى علينا، وهي قسمان: شروط صحة وشورط كمال:

1- – شروط صحة، وهي التي بدونها تكون المرأة متبرجة ومرتكبة لمعصية السفور والتبرج، وأهمها:

الشرط الأول: أن يكون اللباس ساترا لجميع البدن إلا الوجه والكفين (فهما ليسا بعورة على مذهب الجمهور، ولكن تخميرهما من باب الزيادة في التستر والتحجب جائز، بل قد يُندب، فهو أصلا مشروع للمرأة على كل حال، خصوصا إذا كان عرفا كما في بعض المناطق في الدول الإسلامية مثل اليمن والسعودية، والاختلاف بين الفقهاء إنما في وجوبه من عدم وجوبه لا في مندوبيته ومشروعيته).

الشرط الثاني: أن يكون اللباس لا يشف ولا يُظهر الجسد، كاللباس الأبيض الرقيق الشفاف الذي يظهر الجسد من الأسفل، فهذا غير جائز في السترة.

الشرط الثالث: أن يكون فضفاضا غير وصّاف وغير ضيق، فإذا كان اللباس ملتصقا على الجسد بالقدر الذي يحدد حجم الأعضاء مثل الصدر أو الأطراف فهو لباس غير شرعي.

الشرط الرابع: ألا يحمل ما يخالف دين الإسلام كشعار الكفر؛ مثل الصليب أو رموز عبدة الشيطان.
.
.

فهذه أهم شروط صحة اللباس.

-2- أما شروط كمال اللباس الشرعي فأهمها:

الشرط الأول: ألا يكون مخالفا لعموم لباس أهل البلد، وهذا كما قلنا أمر نسبي خصوصا في المغرب، وخصوصا في المدن الكبرى، أما في بعض المناطق التي لا تزال تحافظ على لباس معين للمرأة فيجب احترام العادة فيه، لكن إذا كانت هذه العادة تحترم شروط الصحة السابقة، وإلا فهي عادة فاسدة لا اعتبار لها.

الشرط الثاني: ألا يكون لباس شهرة، كاللباس الفاتن للأنظار، وقد مثل الفقهاء لذلك باللباس الأصفر الفاتح والمزعفر والناعم.
.
.
والأمر أيضا يرجع إلى العادة هنا.
فمراد الشارع أن المرأة بقدر ما صدّت عنها الأنظار ولم تلفت الناس إليها بقدر ما كانت أكمل في حجابها وسترتها.

فهذه أهم الشروط المعتبرة في الحجاب.
فالعبرة إذن بهذه الشروط لا بنوع خاص من اللباس.
ولكن عرف أهل البلد مقدم في الكمال.

تنبيه: من الأمور الجديدة التي ظهرت في هذا الزمن لدى صنف كبير من الأخوات في لباسهن أنهن يتساهلن في الاحتياط في اللباس، فتجدهن مستورات بلباس غليظ فضفاض ساتر سابغ.
.
.
ولكن موضع العنق غير مستور، فيحاولن ستره بغطاء الرأس بين الفينة والأخرى، ولكن غطاء الرأس ينزلق فينكشف عنق المرأة، وهذا من كبائر الزمن فلْتحذر الأخت المسلمة من ذلك، وفيه خرم لشروط الحجاب الأساسية.
والحل أن تلبس المرأة لباسا داخليا يستر جميع عنقها، ولا تعوّل على غطاء الرأس؛ لأنه في الغالب ينزلق، وكما يقول الفقهاء: “الغالب كالمحقق”.

وهذه الملاحظة أوجهها لأخوات كريمات حريصات على اللباس الشرعي، ولكن قد غفلن عن هذه الثغرة، ولكل زمان ثغرات يدخل منها الشيطان، وأرى ثغرة هذا الزمن في اللباس هذا الموضع من جسد المرأة المحجّبة (العنق).

أما حجاب الموضة (ميني-حجاب، وهو أن تغطي المرأة رأسها ثم تلبس لباسا ضيقا يصف جل جسدها أو كله) فلن أتكلم عنه؛ لأنه محض تبرج، بل هو أخطر من التبرج والعياذ بالله.

وختاما: وهذه أيضا دعوة إلى كل الأخوات بأن يكون حجابهن الشرعي الظاهر موافقا للحجاب الباطني، حجاب التقوى؛ لأنه هو الأصل.
قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ{ الأعراف: 26.

وهنا أيضا دعوة أخرى إلى المغربيات بأن يُحيوا تقاليد جداتهن وأمهاتهن باللباس المغربي التقليدي، ولا أقصد به هذا اللباس المغربي الممسوخ الذي يُشهّر به في المجلات والجرائد، وإنما أقول لباس الجدات القديم، الذي يُشترط فيه جميع الشروط السالفة، ويكون عصريا في خياطته وأناقته.
فهذا أراه من باب الأولويات.
والتي تضع النقاب الشرقي لِمَ لا تضع النقاب المغربي الأصيل المعروف مثل اللثام والحايك؟ فهذا التمرد على اللباس الشرعي المغربي ليس له سبب مقنع إلا الاستلاب الحضاري.

والله أعلم، وهو الهادي إلى الصواب.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد