عقل الفقيه ج 2

نجيب الطلحاوي

لــعلـنا سنجازف بالقول أن الأبحــاث التـي تعـرَّضت بالدراسـة و التحليل لِـفترات التاريخ الإسلامي – و ضمنهـا موقع عقل الفقيه – تنــوعت و اختلــفت اختــلافا كبيرا نــجمــل بعضهــا في مــا يلي :

 

·   قراءات مــادية إسقاطية للتاريخ : تبـنـت مفاهـيم الصراع الطبقي و الجدلية التاريخية و ســحبتــه عـلى كل تــاريخ ، و أرادت من خــلالــها الانتصار لفـكرة اليمين و اليســار في الصراع علـى السلـطة فـراح أصحتبـهت يتعــاملــون مــع بعض الفقهــاء كأنـهم يمثلون الجنـاح الثوري / اليسار فتــم تجريدهـم من بــواعث الإيمـان و منطلقات العقيدة حــتى صــاروا رجــال دنــيا و ” مناضلين ” مــاديين ، في المــقابل تــمَّ رســ/ صورة نقيضـة لبعض الفقهــاء الذين اعتُــبِــروا حلــفاء ” الإقطــاع ” و رمــوز ” البورجوازية ” يوالــون السلــطة و ينــعمــون بخيراتــ÷ا و يضــعون لــهم الدين ضمــان أمــان ضــد الثــورة عليهم ! كــتابات كــهــذه تأثــرت بالفكرة المادية للتاريخ و بأجــواء المناخ الدولــي حينما كانت الشيوعية ذات قرون فــرقــصَ المـقــلِّــدون لـها طــربا عــلى أنغــام انهــيارهــا السريعــة فــما عــاد بريقــها يستهــوي أحــد من العقــلاء ( كتابات النزعات المادية ، اليمين و اليسار في الإسلام ، مشروع رؤية جديدة للفكر العربي .
.
.
).

 

·   قراءات لائكية مِن خارج الدين مِن خـارج التراث : و هـي قراءات نـصبت العــداء للتاريـخ الإسلامي فوسمــتهــا بالمنظـور المشرقي فـأرادت أن تــفــهمَ وجودهــا فــهمــا إثــنيا ، فإذا كانت قد نــاصبت العـداء لهـذا التــاريخ و راحـت أحيانــا تقتــفي أثــر المستشرقيـن الحاقدين فتصــيدت شواهــد الإدانــة من تــاريخ المسلمين فمن باب أولـى أن تنصــب الحــقــد لــعقل الفقــيه بوصفـه عقلا متحــجرا و مشرقيا في تفكيره .
يــدخــل في هـذا البــاب كتابات و مقالات ضحلـة لنخـب أمــازيغية ( مجرد نخب ) استنــجدت بتراث الوثنيين ما قبل الميلاد و انغــرزت في أعــرافــهم ، و هــذه الفــئة لا نــهتــم بهــا كثيرا لأن أصحــابهــا يعلـــنون حربهــم علـى الإسلام  و مَـن حــملَ لواءه فأراحونــا من الرد علــى أمثالهم.

 

·   قراءات لائكية من خـارج الدين من داخل التـراث : و أصــحاب هاتــه القراءات لا يـزعــمون علــنا معاداة الإسلام و تــاريخـه و لا يتبــنون في الغالب المنهــج المــادي في تحليل أحــداثــه ، و إنــما ينطلقــون مِــن داخــل التراث في حركــاته و سكنـاته ليصلـوا بنــا إلــى خــلاصـة إدانــة عقــل الفقــيه و إدانــة تـاريخ المسلمين .
و هــؤلاء النوع أقــلُّ ســوء لأنهــم نــظروا إلــى التراث و قــامـوا باستعــراض أزمــاتــه و نكباتـه و نظــروا في تــصرفات الفقيه و خــضوع البعـض لسلـطة السيف و الغلبـة و صمت البـعض علـى البـوح بفســاد إمارة الاستيــلاء بــل و تأييد البعض لـها بحكم الأمــر الواقع و حدوث الفتــنة ، نــظروا إلــى كــل ذلك فحكــموا و جزمـوا فــصار الفقيه في قفـص الاتهــام .
أصــحاب هــذا الاتجاه كُــثُــر و كتاباتـهم متعددة جمـعت بين الغث و السمين ، بين حقـائق التاريـخ و تأويلـه ، انـدمـجت في عقولـهم حنين الديــن و غلبـة الغرب/النموذج ، يصيــبون أحــيانــا و يخطــئون أحــايين ، حــافــظوا علــى ســلامــة اللغة من التهجيــن لكن خـــانتهم المعــاني ، بعـضهم يصـدرون  أحكـام الإدانـة فيرســلها  وصفــا للفقهـاء ب ” عبيــد السلاطين ” ( سقوط الغلو العلماني ص : 102 ) و الآخــر يـحـسم حسمــا جازمــا فيقــرر ” أن أصـبح الخضوع لأولي الأمـر هـو القاعـدة في ممــارسة السياسـة ” (يُــنظَـر النظام السياسي في الإسلام .
برهـان غليون و سليم العـوا ) .
هــكذا أرادوا أن يقرأوا التــاريخ و يحددوا عقل الفقيه ، و للتــمثيـل يُـرجى النظر في كتابات علي عبد الرازق و فرج فودة و برهان غليون و المستشــار العشماوي و .
.
.

·    قراءة تــراثية للتــراث : و هي قراءات حـاولت تقـطيع التـراث و الانتـصار لتـيار فكري هـو في عرفها الأكـثر تعبيرا عم مـلامـح الشخصية الإسلامية ، و بـالتالي رمـت إلــى انتــقاء مــا ينـبغـي وصـله بالعـصر ، و يـمكن أن نـمثل لــها بكتابات الراحــل محمد عــابد الجـابري حيث سعــت إلـى مـصادرة عقل الفقيه و تماهت في المقابل مع عــقل الفيلسوف .
فالنـاظـر لكتبه يــجد تـحاملا كبيرا على الفقهــاء و اتــهــاما لهــذا العقل بغلبة ” سلطة اللفظ ” و معاداة الفيلسوف، فـهي كتــابات رشــدية فصلـت عقل ابن رشد الفقيه عن شخصيته و رُسِــمَـت له صورة مناقضة لـخط الفقيه ( سـواء كـان فقيها معتزليا أو أشعريا ) حــتى بـدا للقــارئ بوجود حرب ضروس بين فلاسفة الإسلام و الفقـهاء.
و فــي المــقابل ينتـصر آخرون لعقل المعتزلي و يشيدون بعقلانيته و قـدرتــه الفائقة علـى استيعاب الــواقع كمـا فــعلَ المفكـر الإسلامي محمد عمارة بدون أن يعنـي ذلك معاداة الآخـرين ، فـهـو يقول في كتابه نـظرة جديدة إلـى التراث : ( فالمعتـزلة أهـل العدل و التوحيد مـثلا أكثر المدارس الفكرية تعبيرا عن أصالـة الشخصية العربية الإسلامية ، فلـقد استخدموا المنهج العقلي في البحث و التفكير دون أن يكونوا أسـرى للفكر لليوناني و دون أن يـنـفصلوا عن قضايا العقيدة التي كـانت تــزخـر بها المجتمعات العربية الإسلامية في عصورهـم ، كما كانوا رجـال فكر و سياسة و ثورات و علم و هندسة و زهد .
.
) ص : 26 و يــقول : (  فنـحن إذا شـئنا في حياتنا السياسية و في صفوف جمـاهيرنا قيم الديمقراطية و أفـكار المساواة و الحرية السياسية للـمواطن فـلا بـد من أن نقدِّمَ لهذه الجماهير صفحات تراثنا التي تمـجِّــد الشورى و تجعـل صلاحيات الحاكم نـابعة من تـوافـر الشروط فيه ، و ذلك دونـما التفاف إلـى النسب و العرق و الدم أو المـال أو العصبية أو مـركـز القوة غير المشروع ، ففي هـذه الصفحات زاد فكري يستطـيـع أن يؤصل في أمتـنا روح الديمقراطية كخلق و ممارسـة و سلوك لا كمـجرد شعارات .
.
) ص : 19 انتهى كـلامـه.
لا شــك أن الدكتور عمارة و قــد مــرَّ بفتـرة الانقلاب الجذري من خـطابـه اليساري القديم إلـى خطــاب إسلامي استـوعب التراث الإسلامي في وقــت اشتــد فيه الصراع بين اللائكيين القابضين على السلطة و الإعلام و بين الإسلاميين الباحثين عن حــق الوجود القانوني فـكـان من الطبيعي مواجهتهم بلغة الثقافة و التاريخ تــماما كما فـعل الكلاميون في صراعهـم عـقائد الباطل بالحجة و البرهـان ، أمَــا الآن و قــد تــقهــقــر المشروع اللائكي و لـم يــعـد إلا صرخــات ألم فردية مهزومـة فقـد اتجـهَ مفكرنــا إلــى التصالح مع التاريخ الفُــقَــهائي و إبــراز دورهـم في الحراك السياسي و الاجتماعي ( للمزيد يُــنظَـر سقوط الغلو العلماني و دفاعه عن الفقهاء ص 98 ).

 

·    قــراءة من داخـل الدين من داخل التـراث : تتــميز هـذه القراءات بكونـها قاربـت دراسـة التــاريخ الإسلامي علـى ضـوء التــوجيـهات النبوية و المأثورات الغيبية ، فجمـعت بين التحليل التاريخي للوقائع و بين الإيمان بالغيب الذي بــشَّــر بـه النبي عليه الســلام فالتمســت العــذر لبعـض الفقهـاء الذين رزحوا تحت أسياط التعذيب و سيوف القهـر و نــظروا إلـى واقـع الانحراف التاريخي من منظور ديني بوصفـه حدثا مفصليا ، و يمكـن أن نمـثِّـل بهذه القراءات بكتابات الأستاذ عبد السلام ياسين ( نظرات في الفقه و التاريخ ) و حسن البنا و المودودي و محمد محمد أمزيان في كتابه النفيس ( الفقه السياسي : مقاربة تاريخية ) .

      و إذا كانت القراءات اللائكية الثلاث الأولى قــد شـوهت التراث و خرجت بــها عـن حدود التحليل الموضوعي فمارست إسقاطات إيديولوجية ارتبطت جذورها بالظروف الراهــنة و تأثرت بمشاريع الغرب المُــهَــيمِـن كان من الطبيعي أن يكون منـظار التحليل التاريخي متـلونا بلونـه حيث يصير الفقيه ” رجل دين ” و ” كهنوت ” أو يصير عند الآخـر ” إقطاعيا ” متماهيا مع السلطة القائمة أو علـى أحسن تقدير يتــحوَّل إلـى صاحب ” عمامة ” بيده عـصا التلقين و فرض الرأي ! .
الأكــيد عندي أن عقل الفقيه أكـبر من أن تستــوعبـه تحليلات وضعية و دراسات متسرعة و أكبر من أن يُــختَــزل في توصيفات هزيلة أملتــها اعتبارات و هــواجس الضغط الوطني و الدولي و مناهج انفصلت عن الذات ، فمــن أيــن نبعت هذه الصور الكاريكاتورية حول الفقيه ؟ و مــا الذي جـعل عقلـه مــثار سخرية و تهكـم ؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد