مآتمنا.. مآدبهم
ليس الإسلام هو من أحرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، وليست المسيحية هي التي أبادت أزيد من مليون عراقي وعراقية بعد الاجتياح الأمريكي لبلاد الرافدين، وليست اليهودية هي التي أحرقت 2000 فلسطيني في هولوكوست غزة الأخيرة جلهم من الأطفال والنساء، ولكن البشر يبقى العامل المشترك بين هذه الأفعال جميعها، وإن اختلفت الأوضاع والأحداث.
البشر وحده القادر على استغلال ما توفر أمامه ليقتل، ويبيد، ويلغي الآخر تكريسا لطمعه الشديد.
.
البشر قد يحرف ويؤول النصوص المقدسة لأجل غريزته، ويقدم تبريرات واهية لممارساته الشنيعة، ويرتكب أفعالا مهما عظم جرمها انتصارا لأنانيته.
.
وليس لأحد أن ينفي التهمة عن ديانته ومعتقداته، لأنه ما دام الأمر مرتبطا بالبشر فالبشر قادر على فعل أي شيء يخطر على باله، وبالتالي يبقى هو المتهم حتى تثبت براءته.
هذا ما أكده “جورج كارلين”، الكوميدي الأمريكي عقب حرب العراق في حلقة ساخرة، لما اعتلى منصته السوداء وقال: “البشر سيفعلون أي شيء، أنا مقتنع.
.
لذلك لما بدأ قطع الرؤوس في العراق قبلته دون تردد”، ليطرح بعدها سؤالا عريضا:”ما الفرق بين قطع رأس واحدة أو اثنتين أوثلاثة.
.
وبين إسقاط قنبلة كبيرة على مستشفى وقتل أطفال مريضين؟”!.
طبعا قد يحصل الفرق من حيث العدد والكيفية التي وظفت لإلغاء الآخر، لكن الهدف واحد، والفاعل كذلك.
.
ولو صح شريط حرق الطيار الأردني، لكان مجرد استكمال لفصول المسرحيات التي يتكفل البشر بإخراجها وحبك سيناريوهاتها دون أدنى شك يذكر، ووحدها عائلة الفقيد ستحس بوقع الضرر الذي لحقها ولو لحين، لأننا مصابون بالزهايمر المتقلب اتجاه جل الأحداث الدائرة حولنا.
ف”داعش” ليس لها ذكر قبل تدمير العراق من قبل الأمريكان سنة 2003، وإشعال أوار الحرب الطائفية المبيدة التي تُحرّك خيوطها إقليميا لم تكن قبل إعدام “صدام حسين” في ليلة عيد أضحى.
.
.
، وجلّ النزاعات الدموية التي تدار بين أبناء المنطقة ليست لهم فيها ناقة ولا جمل.
لكن المستفيد الأول في هذه الحالة هو الكيان الصهيوني الذي لم يجد زعيمه حرجا في التظاهر ضد الإرهاب بمسيرة باريس –وهو زعيم إرهابيي العصر الحديث- توددا لأخطبوط الإعلام الذي ما فتئ يبيض وجهه الأسود، ويحاول تنظيف أياديه الملطخة بالدماء.
ويخال لي أن “نتنياهو” ينام الآن مبتسما لما حققه في سبيل إقامة “الدولة اليهودية” من أمن وطمأنينة ورخاء على أرض محتلة، وحولها خراب وتقتيل ليس له مثيل، و”أوباما” مثله يشعر بالفخر والزهو اتجاه الدعم الكبير والمتواصل الذي يقدمه ل”جنود الله” هنالك بفلسطين حيث لم يذهب هباء.
ونفس الأمر ينطبق على زعماء القارة العجوز.
ولو نظرنا مليا بعين الحكمة لكان الأولى مشاركتهم لنا في مآتمنا كما شاركناهم في مآتمهم الواحدة تلو الأخرى دون تردد.
لكن، ربما انقلبت الآية لدرجة صارت معها مآسينا مآدب لهم وأفراحا.
بقلم : ذ أحمد اضصالح