وجوب نصرة النبيّ صلى الله عليه وسلم
محمد هرار
تعتبر محبّة النبيّ محمد صلى الله عليه وسلّم، وتقديره وتوقيره وإجلاله، وتعظيمه، والذود عن شرفه وآل بيته الطيّبين الطاهرين؛ من أعظم أصول الإيمان؛ بل لا يكتمل إيمان أحدنا إلا بمحبته وتقديمه على كل شيء.
لقوله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين”.
فمحبّته صلوات ربّي وسلامه عليه، من مسائل العقيدة وقطعيات الدّين الإسلامي الحنيف، الذي لا يمكن لنا بحال من الأحوال إذا كنا بالفعل مؤمنين، التنصل أو التساهل أو التهاون فيها، مهما تعددت الإساءة، وتكررت وتقررت، وكلفتنا أو كبدتنا من جهد وعناء.
ولئن كانت الإساءة حلقات متناثرة متباعدة في المكان والزمان.
فقد كانت تسير بخطى ثابتة!.
.
.
بدأت مع سلمان رشدي، ثم بالرسومات المسيئة في الدّنمارك، ثم مقالة بابا الفاتيكان بنديكيت السادس عشر، وتهجّمه على سيد الخلق وإمام الحقّ نبيّ الهدى محمد صلى الله عليه وسلم، ثم دخلت الإساءة عالم الفنّ؛ فاتخذت أشكالا مختلفة: مثل أفلام السينما والمسرحيات، والمحاضرات، والندوات.
.
.
وعليه؛ فالإساءات لم تعد حادثا عرضيا كما يحاول بعضنا تبريرها، أو أنّ المخطّطين لها هم مجرّد أناس لا قيمة ولا وزن لهم في المجتمعات الغربيّة.
لا والله، إنما هم على درجة كبيرة وعالية من الوعي والتخطيط والتنسيق التام فيما بينهم، غايتهم خبيثة وخطيرة.
وأخطر ما فيها، ترويض المسلمين على تقبل الإساءة وهضمها والخنوع التام لآثارها، تمهيدا لما سيأتي لا سمح الله من تهديد حقيقي على المحك للوجود الإسلامي في الغرب برمته، بما تُثيره تلك الإساءات وترسخه في ذهنية الرجل الغربي البسيط من إثارة تفوق الإسلاموفوبيا بكثير.
ومن تصوير مخيف له قد تجعله يطالب بكل جرأة، بل وبوقاحة وإصرار استثنائيين بإباحة الإعتداء ليس فقط على مقدساتنا وقيَمنا العليا (وقد حققو ذلك)؛ بل وعلينا كأشخاص.
.
لأنّنا من المسلمين ونمثل تلك القيم التي داسوا عليها دون اعتبار لنا أو لوجودنا.
قال عزّ وجلّ: “قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارةٌ تخشون كسادها ومساكنُ ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين”.
لذا فمن الطبيعي معشر المسلمين ألّا نكتفي بالشجب والاستنكار والتنديد.
بل لا بدّ أن نغضب ونثور رافضين هذا الكم الهائل المتكرر من الإساءات المتعمّدة المقصود بها العدوان على حبيبنا وقدوتنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه.
علينا أن نغضب غضبا يجلب الانتباه إلى احترامنا، ويدعو إلى الإقلاع عن العمل البئيس، والخروج من السلبية المميتة.
فمتى نغضب إن لم يكن ذلك بسبب الإساءة إلى قدوتنا صلّى الله عليه وسلّم؟ ولنكن على ثقة من وقوع غضبتنا هذه في محلّها ودون مخالفة شرعية البتّة.
يقول الحقُّ سبحانه وتعالى: “إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ”!.
.
.
نفعل ذلك دونما مجافاة للسلم الاجتماعيّة، أو مخالفة للقواعد الشرعية المؤكّدة على ألّا ضرر ولا ضرار.
نفعل ذلك في كنف السلوك الحضاري بعيدا عن العنف والظلم والغوغائية أو الارتجال.
.
.
نحن أهل كلمة طيّبة وحوار.
وعلينا دائما ألّا نقع في فخ الاستشهاد علينا بردود أفعال يغلب شرُّها خيرَها!.
.
.
نحن نرفض الظلم سواء كان واقعا علينا أم على غيرنا، وعلى الآخر أن يحترم فينا ذلك فيقلع عن ظلمنا بالاعتداء على رموزنا، وفي مقدّمتها نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم!.
.
.
من يتحمل المسؤولية؟!
لماذا تكتفي المؤسسات الدولية، وبخاصة هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والحكومات، دائما بالدعوة إلى التهدئة، في حال غضب المسلمين جراء الإساءات المتكررة لشخص النبيّ الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ولا تقوم برسم حدود حقيقية لما يُدعى زورا وبهتانا “حرية الصحافة والتعبير”؟.
ولماذا لا تسنّ قوانين تجعل من الازدراء بالأديان والرموز الدينية بشكل عام، جريمة جنائية دولية يطالها القانون؟ لماذا يحمي القانون الدولي اليهود، ويمنع ويعاقب كل من تسوّل له نفسه الاستهتار بتفاصيل المحرقة (الهولوكوس) مثلا، أو اتّخاذ اليهود والساميّة للدُّعابة والسخرية وتسلية الناس كما تفعل بغيرهم؟.
ألم يروّجوا ويسوقوا، أنّ حرية التعبير لا تعرف الحدود، ولا توقفها سدود؟ وأنّ الغرض منها هو الترفيه والترويح عن النفس؟ إذا لماذا توضع الحدود والسدود، والموانع، مع ترسانة من القوانين الردعية في وجوه الكتاب والإعلاميين والباحثين والفنانين، عندما يتعلق الأمر باليهود والسامية، ولا يُفعل مثل ذلك مع الإسلام ورموزه؟.
نحن المسلمين نرفض من حيث المبدأ رفضا قاطعا جميع الإساءات لجميع الأديان، ورموزها، ولا نقبل بازدراء الأديان.
إن هم قبلوا الإساءة لديانتهم ورموزهم؛ فنحن نرفضها؛ بل وندافع عن معتقداتهم كما ندافع عن ديننا الحنيف الإسلام.
أحسب أنّه ما لم تتغير النظرة النمطية الموغلة في العداء للدين الإسلامي، أو الإسلاموفوبيا؛ فلن يكون هناك تلاقح حضاري حقيقي، وتواصل إنساني بين الأمم، وسيكون التوتر هو سيد الموقف.
وسيظل المسلمون في حالة دفاع مستميت ومستمر عن مقدساتهم كما عهدهم العالم منذ ولادة الإسلام في مكة، ينصرون نبيّهم حتى يلقوا ربّهم.
فنصرته من صلب العقيدة وقطعيات الدّين، أحب من أحب وكره من كره.
في البداية كنت أعتقد أنّ تلك الرسومات هي مجرد أزمة فكرية عابرة، تتعلّق جذورها بالحرية بشكل عام، إلا أنّني بعد تتبع خيوط الأزمة ومنابعها اتضح لي بجلاء أنّ المسألة لها علاقة تلازميّة بالتربيّة والتعليم، التي رسّخت في عقليّة الإنسان الغربي سوء الأدب وانحطاط أخلاق دون أن ينتبه إلى أنّه سوء أدب أو انحطاط أخلاق.
وقد وجب التنبيه إلى ذلك بسنّ قوانين تمنع التطاول اللاأخلاقي على المقدّسات الذي تطوّر بمفعول هيمنة الفكر الإلحادي المادي المتحرّر تحرّرا شبه تام من الإيمان والغيبيات، الذي سيطر على المناهج التعليميّة منذ الإطاحة بدور الكنيسة وفصل الدّين عن السياسة.
وأنا لا أعمم؛ فإني أعلم علم اليقين الجازم، أن في الغرب منصفون كُثر، لكن أصواتهم خافة، وغير مسموعة، وغير مؤثرة على الاطلاق.
لذا فإن الحكم يبقى للغالب.
.
.
لا بد أن يتحمل المجتمع الدّولي مسؤولياته تجاه هذه القضية الحسّاسة، ويتوقف عن ازدواجية المعايير، والكيل بمكيالين في تعاطيه مع قضايا المسلمين بشكل عام، فهو من جهة لا يكترث بالاستفزاز والاستهتار بعقيدة المسلمين بدعوى حرية الإعلام والتعبير! ومن جهة أخرى لا تصمد تلك الدعوى، فسرعان ما يسقط القناع عندما يتعلق الأمر بغير عقيدة المسلمين.
لهذا فإنّ القائمين والدّاعمين لهذه الأعمال الاستفزازية الموغلة في العداء للإسلام وأهله، من رسومات مسيئة وغيرها، لا يختلفون عن الذين يمارسون العنف ضدّهم.
فهم عندي سواء بسواء، لأنّ خطابهم واحد لا يختلف أحدهم عن الآخر.
وهدفه حفر مزيد من التوتر في جسم الأغلبية الصامتة في العالم.
محمد هرار