في شأن حزب فراشة 2003 بسيدي سليمان
الحسين بوخرطة
منذ سنة 2003، السنة التي انقلب فيها اللوبي الحزبي الاتحادي بفروعه الإقليمية والمحلية على تجربة النهضة الحزبية لسنة 2000-2002، لا يمكن أن تمر لحظة أو محطة سياسية في حياة المستفيدين من الريع الحزبي دون استهداف شبيبة حزب الوردة لتلك المرحلة بمدينة سيدي سليمان متهمين إياها ظلما بالخروج عن التنظيم الحزبي.
وأمام هذا التشويش المستمر، وبعد مسار تكويني في المدرسة الاتحادية بشقيها التنظيمي والإعلامي راكمنا من خلاله مستويات من النضج والمعرفة الشديدة بالدوافع الحقيقية التي كانت ولا زالت وراء تحريك “الدقون” و”الألسنة” لمهاجمة الأعمال والمنجزات السياسية الجادة التي تحققت في إطار المشروع المجتمعي الحقيقي لحزب الوردة، لا يمكن لنا أن ننكر، بعد تقييم موضوعي لمحطة 2003، أننا أخطأنا وأسأنا التقدير، وأن رد فعلنا لمواجهة الاستبداد الحزبي كان أساسه العند الشبابي الحريص كل الحرص على الدفاع على دم الشهداء.
هكذا كنا نفكر في تلك الفترة السوداء في حياتنا النضالية.
لقد تقدمنا إلى الانتخابات الجماعية بدون لون سياسي لتكسير عملية الاختراق التي بدأت في صفوف حزبنا العتيد، اختراق قاده “مول الصويتات” الذي تم ترويضه بعدما كان مناضلا حقيقيا.
إنه رد طبيعي لأطر حزبية شابة تحب الوطن والمواطنين وتعشق سكان سيدي سليمان أشد العشق.
شباب سيدي سليمان الرياضي، شباب سيدي سليمان المناضل والمجتهد، شباب سيدي سليمان المقاوم للتغرير، كان في أغلب فئاته يميل أشد الميل إلى الوردة، وكانت تشكل له حلم تحقيق مستقبل أفضل، وذاك كان هدفنا نحن كذلك، كشبيبة إتحادية قوية بأطرها الحاملة للشهادات العليا، أي المتخرجة من الجامعات والمعاهد العليا المناضلة.
هكذا، بعد النهضة الحزبية التي مكنت حزب القوات الشعبية من الحصول على أكثر من 29000 صوت، توصل الفرع المحلي بمذكرة من المكتب السياسي في شأن تنظيم الانتخابات الجماعية بسيدي سليمان لسنة 2003.
إنها المذكرة التي خوفت اللوبي المتحكم في حزب الوردة السالف الذكر لكونها كانت ذات أبعاد ديمقراطية، وكيف لها أن لا تكون ديمقراطية؟، والشخص الذي كان وراء إعدادها والسهر والإشراف على تنفيذها هو المقاوم عبد الرحمان اليوسفي.
فمباشرة بعد التوصل بها، اجتمع مكتب الفرع برئاسة “مول الصويتات”، واقترح تجاوز هاته المذكرة، وطلب من أعضاء المكتب التفاهم فيما بينهم في مسألة الترتيب في اللائحة، وإقصاء باقي المناضلين في الشبيبة والنقابة.
إن رهان القيادة الحزبية الوطنية في تلك الفترة الحساسة جدا في الحياة السياسية المغربية، والاتحاد يقود تجربة التناوب التوافقي، كان واضحا وتجلى في سن نمط الاقتراع باللائحة لتمكين الأطر الشباب من الوصول إلى مصادر القرار المؤسساتي والوصول إلى مربع العمليات السياسية المؤثرة على جودة خدمات وأداء المؤسسات المنتخبة (من أجل إبراز مزايا الديمقراطية).
الأهم الذي ميز هذه المحطة هو كون شباب الوردة، بفعل تكوينه واحتكاكه مع التنظيمات الفوقية، كان يعي أشد الوعي رهانات القيادة السياسية، وتحمل مسؤولية المقاومة وعدم الاستسلام للمتربصين بالريع الجماعي.
إنها القناعات الثابتة التي جعلته يبادر في هذا الاتجاه متسلحا بالقانون والمعرفة والصبر من أجل إفشال رهانات “مول الصويتات”.
لقد كاتبت الشبيبة مكتب الفرع المحلي في شأن ضرورة الالتزام بمذكرة المكتب السياسي، ونظمت في شأنها يوما دراسيا لشرح محتواها.
إنه يوم تميز بحضور كل الاتحاديين والاتحاديات بالمدينة بما في ذلك “مول الصويتات”، وتم من خلاله تحديد فترة قانونية لوضع الترشيحات وتاريخ محدد لعقد مجلس للفرع (أعلى سلطة تقريرية تنظيميا).
بالفعل، في الساعة المحددة لعقد مجلس الفرع، كانت القاعة ممتلئة بالكامل، وكان أغلبها من الشبيبة الاتحادية، وتكلف حزبيا بتأطير هذا المجلس الحاسم أحد المسؤولين الإقليميين (لا أريد الحديث عليه الآن لأن الحديث في شأنه يستحق مقالا خاصا).
فبعد إعطاء الانطلاقة لهذا الاجتماع المصيري، كان طلبنا الوحيد كشبيبة، ذات الحضور القوي في المجلس، هو المرور إلى التصويت (الصبورة) بدون لف ولا دوران.
ودائما، وكالمعتاد، تعمد “مول الصويتات” تحويل الجلسة إلى فوضى عارمة بعدما طرح ضرورة ترتيب “مول الشكارة” في الصف الثاني.
لقد نجح، بتنسيق مع المتحكمين فيه، في إثارة الفوضى المفتعلة والمرتبة بإتقان، الفوضى التي كانت سببا كافيا اعتمده المسؤول الإقليمي لرفع الجلسة حاملا بين يديه 43 ترشيحا ومتذرعا بكون الجو غير ملائم للحسم في لائحة الوردة (واليوم فهمت كيف أن حيلة “رفع الجلسة” ما هي إلا آلية للتهرب من تطبيق الديمقراطية، لكنهم هذه المرة، يعني في جلسة 2015 المخصصة لانتخاب رئيس مجلس سيدي سليمان، لم يجدوا أمامهم شباب عزل من الدعم السياسي، بل وجدوا رجالا أشداء لا يمكن التلاعب بهم).
للتذكير فقط، الاتحاد الاشتراكي في تلك الفترة كان مقسما محليا إلى ثلاث تيارات، الأول شبابي يقوده كاتب الشبيبة الاتحادية محمد الخيتر، والثاني يقوده طبيب، والثالث يقوده “مول الصويتات”.
ونتيجة لهذا التقسيم، ارتأينا، كشبيبة، التفكير في خيار التحالف الأصلح الذي سيمكننا من تقوية تحصين نفوس المناضلين والحفاظ على القوة الحزبية لدعم القيادة الوطنية.
هكذا تم الاتفاق على التواصل مع فريق الطبيب لكون صفوفه كانت شابة ومكون من عناصر مناضلة (الحسناوي كنموذج)، وكلفت أنا بالتفاوض باسم الشبيبة معهم من أجل الوصول إلى حل يكون في مصلحة الحزب وسكان المدينة الذين آمنوا بمشروع الوردة ومكنوها من الحصول على 29000 صوت السالفة الذكر.
وليكن في علم القارئ هنا أن التفاوض كان عسيرا جدا، ودام عدة أيام، إلى أن تمكنا من أن ننتزع من هذا التيار الموافقة على عقد جلسة للنقد الذاتي، يحضرها ممثلين عن كل فريق، ويقودها حكم نزيه (وتم الاتفاق على الأخ عبد اللطيف الورديغي كاتب الشبيبة الاتحادية، المهندس والحاصل على دبلوم الدراسات العليا في علوم الإدارة).
لقد اخترنا أحد المقاهي، ونحن غير واعين أن صاحب المقهى من الموالين المقربين ل”مول الصويتات”، وابتدأت الجلسة مع الثامنة ليلا، ولم تنته إلا حوالي الرابعة صباحا من اليوم الموالي، وتوجت باتفاق تاريخي في شأن تجاوز الخلافات والحسم في لائحة الوردة.
ولم نفهم في تلك الفترة، أنه بموازاة مع عقدنا لجلسة النقد الذاتي، كانت هناك جلسة أخرى منعقدة في أحد الفيلات لتتبع ما يجري في المقهى.
وكنا دائما نسمع من صاحب المقهى: “استمروا، أنا رهن إشارتكم إلى أن تنتهوا من أشغالكم”، وكنا من لحظة لأخرى نفاجئ بوصول شخص يلقي نظرة علينا وينسحب.
لقد لاحظنا كذلك، مباشرة بعد الانتهاء من الجلسة، أن الطبيب توجه بسرعة فائقة إلى أحد المخادع الهاتفية في مقهى اسمها “بدر” (كانت تشتغل 24 ساعة على 24 ساعة).
أما نحن، فتفرقنا بعد ذلك، وراح كل واحد منا إلى منزله ليستريح لأن العمل الذي كان ينتظرنا في يوم الغد كان سيكون شاقا وعسيرا.
إلا أن مفاجئة الغد كانت غريبة وغير متوقعة، لقد تحركت رنات الهواتف ما بين الشباب مؤكدين للجميع أن المكتب السياسي صادق على لائحة “مول الصويتات”، التي أعدها مباشرة بعد انتهائنا من جلسة النقد الذاتي”، وأرسلها لأحد القيادت السياسية بالمكتب السياسي (لقد كانت مجريات جلسة النقد الذاتي مراقبة محليا وإقليميا).
لقد قام هذا الرجل، الغريب في طبعه، بإعداد اللائحة، المصادق عليها مركزيا، بمكر شديد ودهاء كبير، حيث كان المبتغى من العملية بمرمتها هو تحقيق فكرة “فرق تسد”.
لقد رتب “مول الصويتات” كاتب الشبيبة في مرتبة 6 وأمينها في مرتبة متأخرة، ورتب الطبيب في المرتبة 3 ورتب مساعده في مرتبة متأخرة، متأكدا أن المرتب في الصفوف الأولى لن يقاوم انتهازيته وسيقبل التخلي على صديقه.
بالفعل، سحب كاتب الشبيبة ترشيحه تضامنا مع أمينها بالرغم من إلحاحنا عليه بالبقاء لتمثيلنا مؤسساتيا، وقبل الطبيب السالف الذكر المرتبة التي وهبها له “مول الصويتات” وتنكر لصديقه.
لقد أصيب كل الاتحاديون والاتحاديات بالذهول، وتجندت الشبيبة الاتحادية من جديد، وبتحد كبير، ودعت إلى عقد مجلس للفرع لمناقشة هذه النازلة الغريبة.
وبالفعل، حضر التجمع التنظيمي عدد كبير من المناضلين والمناضلات، وصوتوا بالإجماع على مواجهة هذا الاستبداد وهذا الخروج عن التنظيم من خلال إقرار المشاركة في هاته الانتخابات من خلال تقديم لائحة بدون لون سياسي، الانتخابات التي كانت مهمة بالنسبة للسيد عبد الرحمان اليوسفي.
هكذا، وبفضل مجهود مناضليها، تمكنت لائحة الشبيبة الاتحادية من الحصول على 410 تزكية من الناخبين، تزكية بالتوقيع المصادق عليه.
مرة أخرى، بعد هذا النجاح، لم تفاجئ الشبيبة بإلغاء اللائحة من طرف السلطات الإدارية، بل كانت تعي قوة اللوبي الذي يحارب الأطر والكفاءة والمعرفة من أجل المصالح الشخصية لا غير.
هكذا، مباشرة بعد هذا الرفض غير المبرر وضعيف الدوافع، والذي كان في حسبان الأطر الشابة، لم يبق أمام الشبيبة سوى اللجوء إلى القضاء.
وبفضل الصدق والوطنية التي كان يمتاز بها الشباب الطامح إلى كسر مخططات المشاريع العائلية، دافع على هذه اللائحة أكثر من ثلاثين محاميا، وكان الحكم النهائي لصالحها، لكن هذه المرة بعد مرور أكثر من أسبوع من عمر الحملة الانتخابية.
وبعد الدخول إلى مربع المنافسة، تفاجئنا بطغيان المال، وقوة التغرير بالموالين لنا،.
.
.
ومع ذلك حصلت اللائحة على ما يقارب 400 صوت، تجاوزت به عدد من الأحزاب السياسية، بحيث لم يبق سوى أصوات قليلة لتجاوز العتبة ونجاح وكيل اللائحة.
فعلا، لو كنا نتمتع بالنضج السياسي الذي وصلنا إليه، ولو كنا في مستوى فهم منطق الفعل السياسي الذي كان سائدا زمن رجل الداخلية الكبير وما خلفه من لوبيات (الصدر الأعظم)، ما كان لنا أن نحدث تلك الرجة غير المحسوبة وغير المدعومة سياسيا.
لقد أخطأنا التقدير، وكنا صادقين في عشقنا لسكان سيدي سليمان، وشغفنا للوصول إلى خدمته عبر التمثيل المؤسساتي، لكن، وللأسف الشديد، حسابات الكبار كانت تفوقنا قوة، ولو كنا فاسدين أو سبق لنا أن تورطنا في أحد الملفات المالية أو الإدارية لكنا اليوم نقبع في السجون بفعل الانتقام والتواطؤ.
وكيفما كان مستوى مرارة التجربة، لا يمكن لنا إلا أن نفتخر، وأن نرفع رؤوسنا إلى الأعلى لكون مغرب العهد الجديد يتقدم في اتجاه ما كنا نصبوا إليه بالرغم من استمرار ممارسات الابتزاز السياسي هنا وهناك وبالرغم من ضعف حزبنا التاريخي العتيد.
الحمد لله، ونحن في منتصف العقد الثاني من العهد الجديد، نلمس قوة وإرادة الدولة على حماية أصحاب النوايا الصادقة والوطنيين والغيورين على تنمية البلاد وحماية وحدتها الترابية وخصوصيتها السياسية والثقافية.
وفي الأخير نترك للقارئ الحكم على التجربة، وندعوه إلى أن يحاول الجواب عن سؤال: كيف يمكن لقيادة إتحادية أن تنجح اليوم في مهامها والمنطق السائد محليا لا زال يستعمل نفس الحيل والدسائس؟.
وأمام هذا السؤال، وجدتني مضطرا لأختم مقالي بما قالته لنا الأخت فتيحة سداس في أحد الاجتماعات الرسمية بصفتها المكلفة وطنيا بجهة الرباط-القنيطرة: “ليس هناك دولة عميقة مرتبطة بضعفنا، نحن لا نشكل اليوم قوة قد تثير إمكانية محاربتها، الدولة العميقة توجد بداخل الحزب، وما علينا ما بعد التجربة الانتخابية المقبلة (4 شتنبر 2015) إلا أن نحاول جمع ما تبقى من المناضلين الصادقين”.
لقد كتبنا هذا المقال، لتنوير الرأي العام بكل صدق وبدون مزايدات لكي لا يسقط ضحية هذيان بعض الأشخاص، وما تتكتبه الأقلام المأجورة، والمغالطات الإعلامية التي يتتبعها عبر مختلف مواقع الشبكات الاجتماعية.