عـــــام البـــــصـــل

ذ. أحمد اضصالح

ارتبطت ذاكرتنا الجماعيّة بأحداث شتى، التصقت ببعض السّنوات، فنحتت فيما بعد إطلاقات محدّدة عليها، وجعلت القاصي والدّاني يستحضر الماضي بتسمية معينة تشرح طبيعة ذاك الزّمن.

فعام “البون” اسم خالد لحقبة استنزفت فيها فرنسا خيرات البلد، لتموّل حروبها وتطعم أفواه أبنائها الغزاة على حساب المغاربة، وتقدم نظير ذلك “Bon” يحظى به صاحبه الذي يعاني القهر والاحتلال بفتات “فارينا” حتى لا تلتصق أمعاؤه الفارغة ويغادر الحياة دون شيء يذكر، وعام “بوكليب”  في القرن التاسع عشر حصد وباء “الكوليرا” الأرواح صعودا ونزولا، وغزا غزوته الفتاكة، وفي المغرب الحديث، وبالضّبط في ستّينيات القرن الماضي “سنوات الرصاص” كناية عن حقبة سياسية حالكة، ما زالت عالقة في أذهان من أدركوا زمن الإنصاف والمصالحة.
.

هي لحظات عصيبة لقنت المغربيّ دروسا قاسية، وجعلت منه كائنا متميّزا، صقلته المحن، وعلمته الشدائد ما لم تعلّم غيره، حتّى وجدناه استثناء في كلّ شيء، بما في ذلك حراكه المجتمعي سنة 2011، وكيفية تعامله مع مختلف المحطّات، التي لم تزده إلا دروسا وعبرا.

ومن أهم النّتائج التي نلامسها اليوم، التّغيّر الملحوظ في الممارسة السياسية، على المستويين الحزبي والشّعبي، وتوسّع نقاش الشّأن العامّ لدى قاعدة مهمّة من مستعملي مواقع التّواصل الاجتماعي تقدّر بالملايين، حتّى رأينا كيف يتفاعل الجميع مع مختلف المستجدّات، ويؤثّرون ويتأثرون، وينتجون آراء وتوجّهات، تخرج نتائجها إلى الواقع المعيش.

فمن تتبع النقاش الدّائر حول “معاشات” البرلمانيين بعد حادثة “جوج فرنك” و “22 ساعة” وطرح ملفّ التّقاعد للإصلاح ولسان الحال يقول:”ابدؤوا بأنفسكم أوّلا”، سيستنتج مدى تكوّن وعي جديد في خلد المغاربة.
ومن بحث منسوب المتابعة لممثلي الأمة تحت قبّة البرلمان في الحركات والسّكنات، والتّعليقات التي تصاحب ذلك سيعرف ما نحن عليه اليوم.

كما  أنّ من شاهد “زرواطة” إنزكان، -وهي أسوأ الأحداث في الفترة الأخيرة-، وما أنتجته من تصوّر جديد لمغرب ما بعد دستور 2011 وحكاية فصله الثاني والعشرين، سيكون عليه أن يرتّب أوراقه من جديد، ويعيد عقرب السّاعة إلى الوراء علّه يظفر بجواب مقنع لما وقع.

فأمام التّراشق الكلامي والبولميك السياسي حول هذا الحدث المؤلم، غابت الحقيقة، وبرزت خطورة الرّجوع إلى الوراء، والنّكوص عن المكتسبات التي ظفر بها البلد، في وقت يسعى فيه حثيثا لملاحقة الرّكب التّنموي على جميع الأصعدة، بما في ذلك ضمان الحقوق والحرّيات، وهو ما لم ينته إليه الكثيرون.
ذلك أنّ تغليب السّوط على الحوار الهادئ  في شأن مرسومين “مشؤومين”، لن يكون أفضل لصورة بلدنا داخليا وخارجيّا في محيط ملتهب، ولن يؤتي أيّ ثمار لملفّ اجتماعي يستهدف عصب المشاكل التي تواجه مغرب اليوم.

لذلك، ستبقى صور الدّماء التي لطّخت وزرة بيضاء كانت للأمس القريب شرفا أحيط بهالة من الرّمزيّة عملا بوصيّة أمير الشّعراء، محفوظة في سجلاّت سوداء،  وستبقى مشاهد العصيّ وهي تعلو فوق الرّؤوس موشومة في الذّاكرة بمداد من ألم، ومن هنا ليس ببعيد، أن يوصف 2016 ب”عام البصل”، كيف لا والأخير يزاحم الأحداث المريرة كطعمه، ويلامسها بثمن فاق التّوقّعات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد