أصوليات زمن العولمة
د/ إبراهيم أبراش
بالرغم من التعارض والتضاد ما بين مصطلحي العولمة والأصولية من حيث إن العولمة تتطلع للانفتاح الاقتصادي والثقافي والتقارب بين الشعوب والثقافات والوصول للمواطنة العالمية ، بينما الأصولية تُحيل للتطرف والانغلاق ورفض الآخر ، إلا أن المشهد العالمي اليوم يشير إلى التلازم بينهما أو صوغ علاقة سبب ونتيجة أو ولادة الشيء من نقيضه .
فمنذ أن تم التبشير بزمن العولمة في العقد الأخير من القرن الماضي ، كان من المأمول أن تؤدي العولمة ، بما هي إزالة الحدود والحواجز بين الدول والشعوب ثقافيا وسياسيا واقتصاديا ، إلى وضع حد للشعوبية والتطرف والانغلاق على الذات وأن يتحقق الحلم الرومانسي بتحويل العالم إلى قرية كونية يعمها السلام والهدوء ، إلا أن ما جرى أن العولمة انقلبت على أصولها ، والعالم تسوده حالة من الشك والقلق وألا يقين ليس فقط في الحاضر بل بالمستقبل أيضا ، حيث الإرهاب يتمدد ويضرب في كل مكان وترد الدولة بمزيد من التضييق على الحريات والانغلاق على الذات ،وتتراجع اهمية ودور المؤسسات الدولية ، هذه الأخيرة التي تحولت لشاهد زور على ما يجري في العالم من فوضى وإرهاب ومجازر .
لقد أنتجت العولمة نقيضها ، من شعوبية وطائفية وعنصرية وإثنية ويمين متطرف والأصولية بكل أشكالها ، بل عادات القبلية والعشائرية إلى المجتمعات العربية والإسلامية بشكل غير مسبوق بحيث بدت هذه الشعوب وكأنها لم تعرف الدولة من قبل ! .
قد يكون صحيحا أن العولمة الاقتصادية قطعت اشواطا مهما فيما يتعلق بالتجارة والاستثمارات أو حركة رؤوس الاموال و ثورة المعلوماتية خصوصا الانترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي ، إلا أن العولمة فشلت في التماهي مع أصولها دون ذلك من الأمور ، حتى على المستوى الأول فلم يخلُ هذا المُنجز من أصولية ، فقد ظهر ما يسمى (أصولية رأس المال) كما قال بعض المفكرين .
كل ذلك يستدعي إعادة النظر في صحة ودقة الحديث عن زمن العولمة ، أو على الأقل إعادة النظر في غالبية التعريفات التي أعطيت للعولمة والتي حاولت أن تضفي عليها طابعا اخلاقيا وانسانويا ، بل وصل الأمر ببعض المفكرين الغربيين – فرنسيس فوكوياما – لنعي زمن الأيديولوجيا والصراعات الدولية .
بدل توحيد العالم وتقارب الثقافات انفجر العالم في حروب وصراعات : تفكيك الاتحاد السوفيتي ، تفكيك تشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا واندلاع حروب وصراعات البلقان وشبه جزيرة القرم على أسس طائفية وعرقية ، الحرب الأهلية في السودان وتفكيكه ، حروب الخليج الثلاثة واحتلال العراق وتدميره وتفكيكه ، تفشي الصراع المذهبي بين الشيعة والسنة ، انتشار الجماعات الدينية الإسلامية المتطرفة والتي كان للغرب يد في تأسيسها بداية مع تنظيم القاعدة ثم لاحقا مع تنظيم الدولة (داعش) ، وأخيرا وليس آخرا صناعة فوضى (الربيع العربي) وتدمير واحتلال دول ومجتمعات كالعراق وليبيا واليمن وسوريا ، وخلق فتنة في أخرى كالعربية السعودية ومصر وتونس الخ.
لم تقتصر مفاعيل العولمة المتعارضة مع منطقها الأول على دول الجنوب بل توغلت في بلدان الغرب ، ولم يكن خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي بعد الاستفتاء الذي جرى يوم 23 يونيو 2016 ، بسبب ضغط اليمين المتطرف والنزعة الشوفينية ، الحالة الوحيدة لارتكاسة العولمة في العالم الغربي بل ستمتد الظاهرة لبقية دول أوروبا ، حيث كتبت جان ماري لوبان رئيسة الجبهة الوطنية لأقصى اليمين في فرنسا على حسابها على موقع التواصل الاجتماعي تويتر بعد الاستفتاء مباشرة ” لقد حان الوقت لإجراء استفتاء في فرنسا وغيرها من دول أوروبا.
“
إذن ما جرى في بريطانيا جزء من ظاهرة صعود اليمين المتطرف وهو شكل من الأصولية والشعوبية التي لها نضير في كثير من دول أوروبا ، كحزب ” الجبهة الوطنية ” في فرنسا الذي تتزعمه جان ماري لوبان ، وحزب ” الحرية ” في النمسا ، وفي الدنمرك “حزب الشعب الدنماركي ” بزعامة بيا كيارسغارد ، وفي السويد حزب ” الديمقراطيين ” ، وحزب ” البديل ” في المانيا ، وحزب ” التقدم ” في النرويج الخ ، وفي الولايات المتحدة الامريكية فإن اليمين المحافظ واليمينيين الجدد صعدوا إلى مواقع قيادية في الإدارة الأمريكية منذ الثمانينيات ، ونموذجهم الأكثر تطرفا اليوم المرشح الرئاسي دونالد ترامب ، وفي إسرائيل حيث التوجه نحو اليمين غير مسبوق .
ومع ذلك فهناك فرق بين ما يجري في الغرب بشكل عام وخصوصا صعود الاصوليات أو اليمين المتطرف أو المحافظين الجدد ، وما يجري في العالم العربي والإسلامي مع ظاهرة الأصولية الإسلامية .
صعود اليمين المتطرف وظاهرة الأصولية في الغرب غالبا ما تعزز الدولة القومية وتحافظ على الهوية القومية وتحقق أهدافها غالبا بوسائل ديمقراطية وحضارية ، بينما اصولياتنا فإنها مفَتِتة ومُذَرِرة لوحدة الشعب والهوية ومُدمرة للدولة الوطنية وتستعمل العنف لفرض تصوراتها كما تثار شكوك حول علاقاتها مع قوى أجنبية .
مع أن بعض الكُتاب حذروا مبكرا من أن تؤدي العولمة لأمركة العالم على حساب المجتمعات والدول الضعيفة ، إلا أن ما لم يُنَظِر له الكُتاب والمفكرون أن يستعمل الغرب وخصوصا واشنطن ورقة الإرهاب والتطرف الديني وسياسة (الفوضى الخلاقة) بالتعبير الامريكي لتدمير الدول والمجتمعات التي تعادي المصالح الغربية .
فهل سيدرك العرب والمسلمون أن ما تمارسه التنظيمات الإسلامية المتطرفة كتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة (داعش) في سوريا والعراق وليبيا وغيرها من الدول ، ليس صحوة إسلامية بل جزءا من سياسة (الفوضى الخلاقة) الأمريكية والتي تصب في خدمة الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل ، حيث تعيش هاتان الدولتان عصرهما الذهبي فيما تعيش الأمتين العربية والإسلامية عصر الانحطاط ؟ .
Ibrahemibrach1@gmail.
com