بعد تعيين فؤاد عارف مديرا عاما.. هل تستعيد ‘لاماب’ أدوارها وهويتها الحقيقية..؟

علي فاضل – الرباط

خلال حفل تعيين فؤاد عارف مديرا عاما لوكالة المغرب العربي للأنباء شدد، في كلمة بالمناسبة، على أن الرهان المحوري الذي سيوليه الأولوية والاهتمام الأساسي في المرحلة الجديدة، يتمثل في استعادة “الهوية الأصيلة” التي عرفت وتميزت بها هذه المؤسسة الوطنية الرائدة داخل الحقل الإعلامي المغربي.

وبتأكيده على أن هذه الأولوية، ستتمحور مستقبلا حول تجويد العمل المهني للوكالة، والرفع من مستوى إنتاجها في سياق التنافسية التي يعرفها المشهد الإعلامي الوطني والإقليمي والدولي، وتقوية دورها في الدفاع عن المصالح الوطنية وسيادة المملكة في مجال الإعلام والاتصال، في أفق استعادة الصيت الجدير بوكالة أنباء رائدة، يكون المدير الجديد قد حدد محوري هذا الرهان، وبالتالي برنامج عمل الوكالة خلال هذه الفترة.

وجدير بالتذكير أن الإدارة السابقة قد انخرطت منذ البداية في توجه “سلطوي” أدى إلى إشاعة مناخ من القمع والتضييق على عدد من الصحافيين، وصل إلى حد طرد طاقات إعلامية مجدة، وتهميش واستنزاف موارد بشرية ذات كفاءة عالية، و”مسخ” الهوية الحقيقية لهذه المؤسسة، وتراجع تنافسيتها ومستواها المهني، بعد أن تحولت إلى “ملكية خاصة” تدار بعقلية تجارية ريعية، تغيب فيها شروط الحكامة الرشيدة…مما أضاع على المغرب فرصة بناء وتطوير قطب إعلامي محوري حقيقي، يضطلع بدور القاطرة التي تقود الإعلام العمومي، لمواكبة التحولات التكنولوجية والإعلامية والسياسية والثقافية التي يشهدها المغرب والعالم، والاضطلاع بدور المرفق العام المساهم في التحولات المجتمعية والدفاع عن القضايا المصيرية للأمة والبلاد..

نموذج تدبيري سلطوي: ضرب العمل النقابي، محاربة الكفاءات وتكافؤ الفرص

 بعد تنصيبه سنة 2011 مديرا عاما جديدا للوكالة، وخلال المرحلة الأولى من فترة توليه هذه المسؤولية، سيحدث المدير الراحل تغييرات “جذرية” على طبيعة عمل الوكالة، غير محسوبة العواقب كانت منذرة بنتائج كارثية، مدشنا ذلك بتسويق مشروع إنشاء قناة إخبارية “وكالاتية” تنافس القنوات التلفزيونية الوطنية، وقادرة على أن تشكل بديلا إعلاميا لها، وهو ما فتح عليه حينها “جبهات مناوئة” لتوجهه المغامر هذا، خصوصا وأنه كان يوحي خلال تحركاته وخرجاته تلك، وكأنه مدعوم، في هذا المشروع من جهة ما في الدولة…

ولتحقيق هذا المشروع غير الواقعي والمغامر، الذي سيدخل الوكالة في متاهة أوصلتها إلى فقدان هويتها الإعلامية الأصلية والتخلف عن ركب التحولات الإعلامية الكبيرة التي عرفها المغرب والعالم (بالرغم من تبجحه وادعاءاته بإحداث طفرة في هذا المجال)، سيقدم الراحل على سلسلة من القرارات الخاطئة، المرتكزة على “ماركوتينغ براق” يعتمد سياسة الواجهة، دشنه، في البداية “بالتخلص “القانوني” من عدد من الصحافيين، القيدومين أو المخضرمين، الذين اعتبرهم يمثلون “عقلية قديمة”، وغير مؤهلين لمواكبة ومسايرة “الإصلاح الثوري” الذي بشر به حينئذ، وذلك من خلال إطلاق ثلاثة عمليات واسعة للمغادرة الطوعية، كانت نتائجها كارثية على المؤسسة، بعد ذهاب أعمدتها الرئيسين الذين أسسوا تقاليدها المهنية المرموقة، وشكلوا عمودها الفقري وصرحها الإعلامي على مدى عقود…

ومن أجل تكريس هذا التوجه أقدم على شن حرب لا هوادة فيها ضد “العمل النقابي” في بداية توليه إدارة الوكالة، مستغلا في ذلك المزايدات والأخطاء القاتلة للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، التي وظفت الممارسة النقابية، في كثير من الأحيان، لأغراض حزبية أو سياسية ضيقة أو انتهازية…، مما أدى إلى تمييع هذا المجال، والإجهاز، بالتالي، على كل مقاومة نقابية حقيقية، وإطلاق اليد الطولى للإدارة في تنفيذ كل المخططات والمشاريع التخريبية…

هذا التوجه السلطوي سيتم تكريسه أيضا من خلال تدبير تبذيري فاحش لميزانيات الوكالة لتمويل سياسة الواجهة التي اعتمدتها هذه الإدارة، كلفت مئات الملايين من الدراهم، وشملت اقتناء عمارة جديدة لاحتضان مشروع القناة الجديدة “إم 24 “و”راديو ريم” غير بعيد عن المقر الرئيسي للوكالة بعد إخلاء طابقه الخامس من كل الموظفين الإداريين، وتخصيصه بالكامل لمكتب المدير الباذخ… وكراء عمارة  أخرى باهظة الثمن، مخصصة  للعاملين في الإدارة ومؤسسة الأعمال الاجتماعية، إضافة إلى كراء “بلاطوهات” على مستوى 12 قطب جهوي، بمبالغ ضخمة، وتوظيف شركات حراسة على الرغم من أن تلك المقرات لا تتطلب ذلك لوجودها وسط المدينة.

وعلى المستوى المهني قامت الإدارة بتعيين صحافيين من داخل الوكالة في مسؤوليات ومصالح جديدة بهذه القناة الجديدة على الرغم من أن تكوينهم لا يتلاءم مع مقومات ومتطلبات الصحافة السمعية البصرية، علاوة على توظيف أعداد كبيرة من الصحافيين والتقنيين والمصورين الشباب عن طريق عقود محددة… علاوة على إصدار العديد من الصحف والمجلات والمنشورات والمطبوعات المختلفة بميزانيات كبيرة ومن دون مردودية…

ولأن الموارد البشرية سواء “القديمة” منها أو “الجديدة” لم تعد كافية لتلبية متطلبات واستمرارية القناة والإذاعة والمنتوجات الجديدة، كان لزاما على إدارة المؤسسة إجبار الصحافيين على القيام بأعمال لا تدخل في صميم تكوينهم الأصلي كصحافيين مختصين في “صحافة الوكالة”، واستنزاف طاقاتهم لدرجة لا تطاق أدت بالعديد منهم إلى حافة الانهيار النفسي والصحي..

والأدهى والأمر من كل ذلك هو التعاقد مع عدد من “الأفراد المقربين” من خارج الوكالة للإشراف على “برامج ومواد إعلامية” تفتقد إلى الجودة والمهنية، مقابل مبالغ مالية تصل إلى ما يناهز خمسة ملايين سنتيم شهريا، في الوقت الذي لا يتعدى فيه أجر صحافي، قضى بالوكالة ربع قرن ومرتب خارج السلم، 16 ألف درهم في أحسن الأحوال…على رأس هذه القناة اسم مغمور، لا يتوفر على المقومات الإعلامية والمعرفية والتجارب والخبرات المطلوبة في هذا المجال… وهو ما يشهد عليه المستوى المهني المتردي لبرامج ومواد قناة لا يتابعها أحد، وتثير السخرية والشفقة…

هذه العقلية التجارية ستقود الإدارة إياها، بعد تغيير القانون الأساسي للوكالة، إلى اعتماد سياسة التوقيع على اتفاقيات مع مؤسسات عمومية وخاصة مقابل مبالغ مالية ضخمة واستفادتها من منتوجات الوكالة، لدرجة أن مدراء المكاتب الجهوية، على سبيل المثال، كانوا مطالبين بالاضطلاع بالمهام التجارية، والضغط على مؤسسات وهيئات عمومية أو خاصة للتوقيع على عقود واتفاقيات للاستفادة من تغطيات الوكالة مقابل مبالغ مالية كبيرة، وفي حالة امتناع بعض هذه المؤسسات من القيام بذلك، من منطلق رفضها سياسة الابتزاز هذه المخالفة للقانون، كانت الإدارة تطالب هؤلاء المدراء بمقاطعة تلك المؤسسات وعدم القيام بتغطية أنشطتها على الرغم من أن ذلك يدخل في إطار خدمات المرفق العمومي، وعلى الرغم من مسؤولية الوكالة التي تفرض عليها الالتزام بهذه المسؤولية اتجاههم…

وعلى المستوى المؤسساتي، سيقدم المدير على تعيين العديد من المدراء والمسؤولين الذين شكلوا “الأدوات التنفيذية” لترجمة توجهات هذه الإدارة، بعد إبعاد عدد من الكفاءات، وتوظيف بعضهم في تنفيذ هذه المخططات، وتكريس سياسة الريع في التعيين في المكاتب الدولية والمسؤوليات الشكلية (في حالات فاقعة عديدة يعرفها العادي والبادي..)، من دون توفر أصحابها على “البروفايلات” المطلوبة، ومن ضمنهم من لم يتجاوز مدة عمله (ا) في الوكالة سنتين أو ثلاثة سنوات، في ضرب صارخ لمبدأ تكافؤ الفرص.

وفي سابقة مثيرة تم، قبل رحيل المدير العام، الإعلان عن الترشح لتولي مهام ومناصب مراسلين ورؤساء أقطاب بالخارج، دون تحديد لا وجهات هذه التعيينات، ولا عددها، ولا أية إشارة أو معلومات بخصوصها.. فعلاوة على عدم تمكين الصحفيين من اختيار الوجهات التي يفضلون التنافس من أجل التعيين فيها، لم يتم هذه المرة تحديد لا أسماء هذه الوجهات ولا حتى الإعلان عن القارات المتواجدة بها، ولا عددها…!!

وفي ضرب صارخ للقانون وقيم الإنصاف، تم ترسيخ “بدعة خطيرة”، أصبحت معها الأسماء المعينة على رأس الٌأقطاب الدولية، معروفة سلفا، حتى قبل الإعلان الرسمي عن نتائج حركات التعيينات في الخارج..! إذ غالبا، ما يتم، في حالات كثيرة، اختيار صحافيين مقربين موالين في مناصب رؤساء هذه الأقطاب الدولية، سبق لهم تولي مناصب كبرى أيضا داخل أقسام التحرير… 

هذا التوجه أدى إلى وضع مهني خطير، تراجعت معه الجودة المهنية للوكالة، خاصة بعد أن أصبحت المقاربة الكمية هي المطلوبة بهدف الضغط على وزارة المالية من أجل الاستفادة من ميزانيات ضخمة إضافية، مقابل استنزاف طاقات الصحافيين، الذين أصبحوا مطالبين بالعمل بشكل مضاعف من أجل تلبية مستلزمات وكالة أصبحت “عائلية ريعية” وقناة فاشلة شكلا ومضمونا تشتغل خارج القانون كما صرح بذلك، بشكل متأخر، وزير الثقافة..

ولضرب التقاليد المهنية الأصيلة للوكالة، تم تغيير هيكلة أقسام التحرير، من خلال تشتيت صحافيي التحرير المركزي وتوزيعهم على مكتب الرباط بالطابق الثاني المخصص لمتابعة أخبار وأنشطة مدينة الرباط، والتحرير المركزي بالطابق الثالث الذي تم تقسيمه أيضا لعدة “مصالح” شكلية، أصبح معها الصحافيون يعيشون في جزر معزولة، مما أدى إلى تراجع مستواهم المهني، خاصة بعد أن انغلقوا على أنفسهم في مصالح وتخصصات فارغة المحتوى، عكس زملائهم الذين كانوا سابقا يستفيدون من تكوين مهني جيد لمدة ستة أشهر إلى سنة، يؤهلهم للعمل في مختلف مصالح المؤسسة، وتغطية كل الأنشطة سواء السياسية أو الثقافية أو البرلمانية أو القانونية.. ويفتح المجال أمامهم لمراكمة خبرات وتجارب مهنية، قادت العديد منهم إلى الالتحاق بوكالات ومؤسسات إعلامية ذات صيت دولي….

كما لجأت الإدارة إلى توظيف جيش من المتعاقدين بالقطعة لم يستفد غالبيتهم من أي تكوين، للعمل مع الوكالة كمترجمين، والذين في غالب الأحيان يلجئون إلى خدمات “غوغل” للترجمة، مما أدى إلى وضع مهني غير مسبوق، زاد من أعباء الصحافيين في المركز الذين أصبحوا مطالبين بمراجعة وتدقيق أعمال هؤلاء المتعاقدين الذين يستفيدون من مبالغ هامة على حساب صحافيي الوكالة الذين تجمدت أجورهم، وباتوا يشكلون فئة موجهة لأعمال السخرة…

على المستوى الجهوي، أصبح رئيس مكتب جهوي، الذي كان يستفيد سابقا من منزل للسكن ويوضع رهن إشارته مقر للوكالة يقع غالبا وسط المدينة مقابل مبالغ غير مكلفة، مطالبا بكراء سكن له على حسابه الخاص مقابل تعويض لا يتعدى 1800 درهم شهريا… أما الصحافي العادي الذي لا يتحمل مسؤولية تسيير القطب، فهو مطالب بكراء سكنه على حسابه الخاص… ولكم أن تتصوروا مصير صحفي، على سبيل المثال، مرسم في السلم العاشر ولا يتجاوز أجره 7500 درهم، يتحمل مصاريف الكراء والعيش والتنقل والسفر، في مدن كبرى كالبيضاء أو مراكش أو أكادير..

على المستوى الاجتماعي، تم السطو على جمعية الأعمال الاجتماعية التي تحولت إلى مؤسسة سوريالية… وتلك قصة أخرى لتجربة “عش الدبابير” هذا (سنعود إليها مستقبلا)، حيث فقد الصحافيون كل المكتسبات التي كانوا يستفيدون منها، وأصبحت المصالح مقتصرة على حفنة من المتنفذين، وهناك حكايات عجيبة وممارسات تثير الشبهات على مستوى عدد من المشاريع التي أطلقتها هذه المؤسسة، تهم تكاليف تمدرس أطفال عدد من الصحافيين خارج المغرب وداخله، والاستفادة من سفريات لندن السياحية، والمخيمات والحج والتكوين والإقامات الساحلية والصيفية…

متطلبات الإصلاح، واستعادة هوية الوكالة:

إذا كان الفساد والإفساد الذي طال هذه المؤسسة قد امتد على مدى 12 سنة، فإن الإصلاح سيتطلب زمنا معقولا وإرادة قوية، ويطرح تحديات كبيرة على المديرية العامة الجديدة للوكالة، يتعين معها اتخاذ قرارات وتحديد منطلقات أساسية لإرساء معالم هذا الإصلاح، تتمثل في:

– اعتماد إصلاح واقعي متدرج غير مستعجل ولا متهور..، ينطلق من الممكن نحو المطلوب

– تشكيل طاقم أو هيئة مساعدة، تتمتع بالمصداقية والمهنية والكفاءة لمساعدة المدير في مهامه، قادرة على استيعاب وتنفيذ وبلورة توجهات الإدارة الجديدة في مشاريع أعمال ومخططات وبرامج على مستوى مصالح وهياكل المؤسسة…

– إشراك أوسع الصحافيين والأطر في عملية الإصلاح، ما عدا العناصر التي ستثبت التقارير فسادها…

– القيام بتدقيق محاساباتي لكشف الوضعية في كل مصلحة على المستوى الإداري والتحريري والمكاتب الدولية ومؤسسة الأعمال الاجتماعية، وتحديد المسؤوليات والجزاءات دون اللجوء إلى منطق تصفية الحسابات…

– الشروع في تصحيح الاختلالات، بإعفاء المسؤولين غير الأكفاء والذين ثبت فسادهم، بشكل تدريجي بعد تقديم الحساب

– التراجع عن القرارات الانتقامية والقمعية للإدارة السابقة

– وضع هيكلة جديدة لمصالح التحرير تراعي متطلبات العمل المهني المنشود، وتكريس نموذج العمل الجماعي التضامني الذي تميزت به المؤسسة

– الاعتماد على الكفاءات الحقيقية ذات التكوين الإعلامي والثقافي والفكري والمعرفي العالي والرصين لتولي المسؤوليات المركزية والدولية.

– فك الارتباط مع الأسماء “الإعلامية” المستقدمة من خارج الوكالة والتي تكلف مبالغ مالية باهظة، مقابل تعزيز انخراط الصحافيين في دينامية وأوراش ومشاريع التجربة الجديدة

– العودة إلى نظام البت القديم، بالاقتصار على بت الأخبار فقط بالتحرير المركزي، ما عدا العواصم الدولية الكبرى التي من المفترض أن يتم تعيين صحافيين أكفاء ومجربين بها

– اعتماد الشفافية وتكافؤ الفرص في التعيينات في الخارج، وتوقيف سياسة الريع التي كانت تستفيد منها عناصر داخل مواقع المسؤولية المركزية وبالخارج

-تحديد ست سنوات على الأقل في التعيين بالخارج مع الأخذ بعين الاعتبار للمسار المهني لكل صحفي

– تحديد أقدمية عشر سنوات في التعيين على مستوى مراكز المسؤولية في المركز…

– وضع برامج تكوينية ملائمة، تعتمد على الرفع من المستوى المهني للصحافيين، اعتمادا على خبرات وتجارب الصحافيين القيدومين.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد